ابن عقيل
04 Jul 2008, 08:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبع سنته وهداه ....أما بعد,
قال عليه الصلاة والسلام: " أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي " صحيح مسلم
فمحبة آل البيت الطيبين الموحدين الأشراف طاعة لنبينا صلى الله عليه وسلم وبالتالي فهي عبادة نتقرب بها إلى ربنا جل في علاه.
فإن كان للمسلم على أخيه المسلم حقوق فلآل البيت الأطهار حق زائد لاتصال نسبهم الشريف بخير البرية وسيد البشرية محمد بن عبد الله صلى عليه الله وسلم تسليماً كثيراً.
ومن هذه الحقوق النصيحة في الدين وخصوصاً والمخطئ من سلالة صاحب الدين المبلغ عن رب العالمين.
فقد كتب الشيخ الدكتور الشريف حاتم العوني عفا الله عنه وبالغ في الجواب عن الواجب تجاه المعاملة مع المبتدعين وقد جانبه الصواب والى الله المرجع والمآب.
والمشكلة أن الدكتور الشريف عفا الله عنه أتبع منهج " اعتقد ثم استدل " وهذا الذي ساقه إلى سيء القول ومن ذلك:
1- تقرير الدكتور العجيب بأن البدعة يرد عليها وتبين للناس وينفر عنها أما المبتدع فلا يشدد عليه!!
2- سوء فهمه لمسألة الهجر فوق الثلاث.
3- إتهامه لغيره بأنهم يأخذون من كلام الائمة ما يوافق تصوراتهم وهو يفعل عين هذا الفعل المستنكر!!
4- عدم تنقيحه مناط مسألة من هو المبتدع المقصود بالهجر والتنفير عن مجالسه وأقواله.
5- استماتته عفا الله عنه في المساواة بين البدع والمعاصي وتلميحه بأن فتن الشهوات أخطر على الدين من فتن الشبهات وهذا خلاف ما أستقر عليه أهل السنة قديماً وحديثاً.
6- إيهامه القارئ بأن قبول السلف رواية المبتدع دليل على عدم جواز هجره.
وهذا شروع في البيان وعلى الله التكلان:
قال الشيخ الدكتور الشريف عفا الله عنه:
هل تظنّ أن السلف والأئمة كانوا يقدّمون كبار الفساق وناشري الفجور والفواحش والزنا والربا غير المتلبّسين ببدعة على أولئك الجلّة من العلماء الذين ضلّوا فابتدعوا، كقتادة القدري، وعبد الرزاق الشيعي، وعُبيد الله بن موسى العبسي الرافضي، وأبي معاوية الضرير رأس المرجئة وداعيتهم، والعزّ ابن عبد السلام الأشعري, وغيرهم ممن وُصفوا ببدعة.أهـ
أقول:
لا أدري أهي غفلة من الدكتور الشريف أو تغافل عندما يزج بأسماء هولاء الأعلام وكأن الداعين من علماء الدعوة السلفية لهجر المبتدعة قديماً وحديثاً كانوا يدعون لهجر كل من تلبس ببدعة وهو من هو في ميدان من ميادين العلم!!
فهذه دعوى لا تطابق الواقع يا حضرة الشريف الدكتور , فلا بد لك إن كنت منصفاً في بحثك أن تحرر من هو المبتدع الذي قال فيه بعض السلف1 : آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد.
ومن هنا حصل الخلل في المقال , والله أعلم
فذهب الشريف الدكتور يقول:
يا معشر أتباع السلف: ليس من منهج السلف تقديمُ ناشرٍ للخنا والزنا والربا؛ لأنه غير متلبِّسٍ ببدعة، على عالم فاضل عابد مجاهد؛ لأنه تلبّس ببدعة؛ لأنّ شرّ الثاني ليس مطلقاً أعظمُ من شرّ الأول، بل ربما لم يكن بينهما تقارب. وإلا فهل يستطيع أحدٌ أن يقدّم بعض من أقام بيوت الخنا والربا من كبار الفُسّاق في زماننا على العز ابن عبد السلام أو تقيِّ الدين السبكي أو الباقلاني أو الأشعري لمذهبهم العقدي؟!!!.أهـ
أقول:
معاذ الله إن كان يقول هذا عاقل فضلاً عن عالم من علماء الدعوة السلفية قديماً وحديثاً , فهذا سوء فهم من الدكتور الشريف أو تهويل ليس له رواج عند من يعرف حقيقة الأمر!!
ولتصحيح هذا الخطأ أقول بأن السلف وكلامهم المُذهّب في البدع وأهلها لا يقع على من خدم الدين وعاش لنشر سنة سيد المرسلين ثم وقع في هفوة بل هفوات مغمورات في بحور الحسنات والله حسيب الجميع , فهولاء يُرّد على بدعهم وتُبين أخطاءهم مع حفظ مكانتهم وما بذلوه في خدمة السنة.
ولكن هناك من هو جدير بأن يقع عليه كلام السلف الصالحين في التحذير والتنفير من البدع وأهلها مطلقاً وهم كل جماعة أو مبتدع فارقوا السنة وأهلها ببدعتهم ووالوا وعادوا عليها من أمثال عمرو بن عبيد وغيلان وابن عربي والحلاج وابن الفجاءة وأتباعهم من المتقدمين ومن المتأخرين والخميني والكوثري وحسن البنا ومحمد علوي مالكي وسيد قطب ومحمد سرور ومحمد إلياس وأتباعهم ومن سار على فكرهم.
فلا بد من التفريق بين من أقام البدعة ودعى الناس إليها وضلل وكفر من خالفه فيها وبين من وقع في بدعة متأولاً وغير داعي لها أو منافحاً عنها وهذا هو العدل الذي عليه أهل السنة.
يقول الشريف الدكتور عفا الله عنه:
ومن الخطأ المنتشر بيننا تصوُّرُ أن شرَّ المبتدع مطلقاً أعظم من شر الفاسق.
ثم علق في الحاشية برقم 36 بما مضمونه أن لشيخ الإسلام في كتاب الإستقامة كلام أذا جمعناه مع كلامه المشهور عنه بأن شر المبتدع مطلقاً أعظم من شر الفاسق يتضح لنا بأن الإطلاق غير مراد!!؟
وعلل الشريف الدكتور بقوله: وكيف يريد الإطلاق؟! وهو نفسُه يرى قبولَ شهادةِ أهل البدع , دون أهل الفسوق !!
أقول والله المستعان:
قال شيخ الإسلام في الإستقامة 2: وكان السلف يحذرون من هذين النوعين من المبتدع في دينه والفاجر في دنياه كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة.
وجنس البدع وإن كان شرا لكن الفجور شر من وجه آخر وذلك أن الفاجر المؤمن لا يجعل الفجور شرا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض لكن مقرونا بأعتقاده لتحريمه وتلك حسنة في أصل الاعتقاد وأما المبتدع فلا بد ان تشتمل بدعته على حق وباطل لكن يعتقد ان باطلها حق أيضا ففيه من الحسن ما ليس في الفجور ومن السئ ما ليس في الفجور وكذلك بالعكس.
فمن خلص من الشهوات المحرمة والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة وهذه هي الثلاثة الكلام المنهى عنه والطعام المنهى عنه والنكاح المنهى عنه فإذا اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ودينا.أهـ المقصود
فهذا كلام ابن تيمية في الإستقامة الذي جعله الشريف الدكتور معارضاً لقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28/470) «ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلّظة شرٌّ من الذنوب التي يعتقدُ أصحابُها أنها ذنوب» , وكقوله فيه (20/103): « أن أهل البدع شرٌّ من أهل المعاصي الشهوانية , بالسنة والإجماع».
فهل يا منصفين كلام شيخ الإسلام في الإستقامة يصلح معارضاً لما نقله شيخ الإسلام نفسه من الإتفاق بل والسنة والإجماع بأن أهل البدع شرَّ من أهل المعاصي!!؟
ولمساعدة المنصفين على الجواب أسوق الأدلة من السنة الشريفة على صحة الإجماع المنقول من شيخ الإسلام على أن البدع وأهلها شر من المعاصي وأهلها:
أخرج البخاري في صحيحه 3 عن عمرَ بن الخَطاب أن رجلاً كان على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يُلقبُ حِماراً وكان يُضحكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد جَلدَهُ في الشراب، فأُتيَ به يوماً فأمرَ به فجُلدَ، فقال رجلٌ منَ القوم: اللهمَّ العَنْهُ، ما أكثرَ ما يؤتى به! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَلعَنوهُ، فو الله ما علمتُ إلا أنه يحبُّ الله ورسوله».
وروى مالك في موطأه 4 عن زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ ،؛ أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله . فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ. فَقَالَ: «فَوْقَ هٰذَا» فَأُتِيَ بِسَوطٍ جَدِيدٍ، لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ: «دَونَ هٰذَا» فَأتِيَ بِسَوطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ. فَأَمَرَ به رَسُولُ الله فَجُلِدَ. ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ. قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ الله. مَنْ أَصَابَ مِنْ هٰذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئاً، فَلَيَسْتَتِرِ بِسِتْرِ الله. فَإنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَناَ صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله». ووصله الحاكم في مستدركه وقال على شرط الشيخين.
وأخرج البخاري في صحيحه5 عن أنسَ بن مالكٍ رضيَ الله عنه يقول: «جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألونَ عن عبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأَنهم تَقالُّوها، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قد غَفر اللهُ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وماتأخَّر. قال أحدُهم: أما أنا فأنا أصلِّي الليلَ أبداً. وقال آخر: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطر. وقال آخر: أنا أعتزِلُ النساء فلا أتزوَّجُ أبداً. فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتُم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مني».متفق عليه
من ما تقدم تعرف يا عبد الله بأن النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه نهى أصحابه أن يلعنوا صاحبهم السكران وأرشد الزاني لما يدرأ عنه الحد بأن يستر نفسه أذا ابتلي بشيء من هذه المعاصي لعلمه عليه الصلاة والسلام بأن الشيطان لا يفتر بأن يوقع المسلم في الشهوة فالنفس مجبولة عليها إلا من كمل إيمانه وعافاه الله من هذه القاذورات فكان النبي عليه الصلاة والسلام نعم المعلم لصاحب المعصية ولمن أنكر عليه بأن لا يتعدى في إنكاره.
والعكس بالعكس فعندما يأتي بعض الرجال الصالحين فيتحروا عمل خير العابدين صلى الله عليه وسلم , فيرغبوا في الزيادة على السنة بإجتهاد منهم يروموا منه مرضاة ربهم , وفيهم المتبتل الصالح عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه , فينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وينسب فعلهم بأنه مفارقة للسنة وأنهم ليسوا منه عليه الصلاة والسلام إن رغبوا عن سنته.
فالفاسق يقال له أستتر بستر الله ويقال لمن يلعنه لا تلعنه , أما الرجل الصالح المتبتل الراغب في زيادة العمل فيقال له من رغب عن سنتي فليس مني!!
بهذا تفهم ما قاله البربهاري 6 رحمه الله:
إذا رأيت الرجل رديء الطريق والمذهب فاسقا فاجرا صاحب معاص ظالما وهو من أهل السنة فاصحبه واجلس معه فإنه ليس تضرك معصيته وإذا رأيت الرجل عابدا مجتهدا متقشفا محترفا بالعبادة صاحب هوى فلا تجلس معه ولا تسمع كلامه ولا تمشي معه في طريق فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه.
رأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: [يا بني من أين خرجت قال من عند عمرو بن عبيد قال يا بني لأن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان ولأن تلقى الله زانيا سارقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء].
أفلا تعلم أن يونس قد علم أن الهيتي لا يضل ابنه عن دينه وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره.أهـ كلام البربهاري
وليس هذا تهوين من المعاصي حاشا سلفنا الصالح عن هذا المعنى , فالمؤمن الحق المستقيم على دين الله يبغض كل أمراً يبغضه ربه , ولكن من فقه في دين الله هو الذي يعرف شر الشرين وخير الخيرين فيقدم هذا على هذا في الترهيب والترغيب.
يقول الشريف الدكتور عفا الله عنه:
إن المبتدع لا يـصحُّ أن يُنزَّل مطلقًا في أحد تلك الـمنازل الشرعية، لأنه قد يـكـون مـؤمنا عـدلا ولـذلك قـبلوا شهادته وقبلوا روايته أيضًا، وقد يكون فاسقا.أهـ
أقول:
لم يكن قبول السلف شهادة و رواية أهل البدع قبولاً مطلقاً , ولا يجوز أن نسمي المبتدع بأنه عدل بشكل مطلق , فالتعديل لهم إنما فيما يروونه أو يشهادوا به وليس في كل شهادة أو كل رواية ومثال ذلك أن البخاري وهو البخاري 7روى للخارجي عمران بن حطان الذي مدح الهالك ابن ملجم قاتل علي بن ابي طالب رضي الله عنه!!
فهولاء الخوارج قد جرحهم الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام فكيف يكونوا عدولاً من بعد هذا الجرح النبوي؟
يقول الحافظ ابن حجر 8 رحمه الله:
وينبغي ان يقيد قولنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقا ولم يكن داعية بشرط ان لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشيدها فانا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى والله الموفق.أهـ
فلا يجوز للشريف الدكتور عفا الله عنه أن يطلق القول بعدالة المبتدع الذي تقبل روايته فالبدعة في ذاتها مُسقطةٌ للعدالة , ولا يعضد قوله رواية بعض الائمة عنهم , لأن من روى عنهم من الائمة ذو بصيرة بما يقبلونه وبما يردونه , بل هناك من الائمة من لا يقبل للمبتدعة رواية مثل الإمام مالك , وهناك من لا يرضى أن يحدثهم مطلقاً كزائدة بن قدامة فيما رواه عنه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع .9
وقال الدكتور الشريف عفا الله عنه:
وسأضرب هنا مَـثَلًا بأحد أظهر الحقوق التي يُظَـنُّ أنها مُـنْـتَـقَصَةٌ من الحقوق الإسلاميّة للمبتدع ، ألا وهو تحريم هجر المسلم فوق ثلاثة أيام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان فَـيُـعْرِضُ هذا ويُعرضُ هذا، وخيرُهما الذي يبدأ صاحبَه بالسلام».أهـ
أقول:
جاء في الصحيحين بأن النبي عليه الصلاة والسلام هجر جميع زوجاته شهراً كاملاً وكذلك هجر الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك.
قال الحافظ في الفتح10 : وفيه ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيا.أهـ
وعن عبدِ الله بن مُغفَّلٍ رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يَخذف فقال له: «لا تخذفْ، فإِنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف ـ أو كان يَكرهُ الخَذف ـ وقال: إنهُ لا يُصادُ به صَيدٌ ولا يُنكأُ به عَدوٌّ، ولكنَّها قد تَكسِرُ السنَّ، وتفقأ العين. ثمَّ رآهُ بعد ذلك يخذِفُ فقال له: أُحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخَذفِ ـ أو كرهَ الخَذف ـ وأنت تخذِف؟ لا أكلِّمك كذا وكذا».صحيح البخاري11
قال الحافظ ابن حجر 12: وفي الحديث جواز هجران من خالف السنة وترك كلامه، ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجر فوق ثلاث فإنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه.أهـ
قلت: ومن هذا الباب يكون هجر أهل البدع كما فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع صبيغ بن عسل رحمه الله.
وقال الدكتور الشريف عفا الله عنه:
وقد تأتي عباراتٌ عن السلف في هذا الباب قد يظنها بعضُنا متناقضة، وقد يكون التناقُضُ في فهمنا لها، لا في تلك العبارات! فيعمد بعضُنا إلى انتقاء ما يريد، وترك ما لا يريد، لا لعدم اطلاعه على ما لا يرتضيه، ولا لكونه قد وجّهَ ما لا يرتضيه توجيها سائغا على ما وَفْقِ ما يرتضيه، ولكنه أغفله وتَعَامَى عنه لأنه لا يرتضيه فقط!!أهـ
أقول: هذا عين ما فعلته يا دكتور وللأسف , فقد تغافلت عن الأقوال المأثورة المتواترة عن السلف والخلف في قبح البدع وسوء مآلها والتنفير عن مجالسة أهلها وإنها هدم للدين فلا يسوغ السكوت عمن يُحدثها ومثال ذلك ما فعلته تجاه أقوال الأئمة مالك واحمد وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتوجيهها توجيهاً مخل بمقصودهم رحمهم الله.
وسأورد لك أيها القارئ الفطِّن من فعل شيخ الإسلام ما يؤكد قوله رحمه الله في أن أهل البدع يجب أن يجاهدوا ويحذر منهم وينفر من مجالستهم وطرائقهم وذلك يكون بالسنان من قبل ولاة الأمر من الأمراء وباللسان وهذا هو واجب اهل العلم وهم الشق الثاني من معنى وأولي الأمر منكم .
جاء في مجموع الفتاوى 13 القصة العظيمة لشيخ الإسلام في مناظرته للبطائحية الرفاعية وهم فرقة مبتدعة فأنكر عليهم ابو العباس بدعتهم وحذر الناس منهم حتى وصل بهم الأمر للأمير فأشتكوا ابن تيمية عند الأمير فتمت المناظرة , وبعد أن أقتنع الأمير بكلام شيخ الإسلام في هولاء المبتدعة فسأل الأمير ابن تيمية في الواجب تجاه هولاء المبتدعة قائلاً: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال.
فقلت – ابن تيمية القائل -: بهذه السياط الشرعية. فأعجب الأمير وضحك، وقال: أي والله! فقال شيخ الإسلام: بالسياط الشرعية، تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير وقلت – لازال المتكلم ابن تيمية -: هذا نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير هذا الكلام، وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يُقرُّون ولا نقر نحن؟ فقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فافحموا لذلك.أهـ
الشاهد هنا وهو شدة شيخ الإسلام على أهل البدع واستنكار هولاء المبتدعة من إقرار أهل الكتاب من أهل الذمة والمعاهدين على دينهم وعدم إقرار أهل السنة لهم على بدعتهم.
فقال ابوالعباس رحمه الله: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فافحموا لذلك.
وأما قول شيخ الإسلام 14: وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خيرٌ وشرٌّ، وفجورٌ وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسنةٌ وبدعةٌ = استحقَّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقَّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجباتُ الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا.وهذا كاللصِّ الفقير: تُقطَعُ يدُهُ، ويُعطَى من بيت المال ما يكفيه.أهـ
فهذا النص منه رحمه الله حق وصدق فإن كان الكافر وهو كافر لا يكون شر محض فالمسلم من باب أولى , لكن يخطئ من يجعل هذا النص من شيخ الإسلام ناسخاً أو معارضاً لما تقرر من منهج السلف تجاه أهل البدع , بل أن ابن تيمية رحمه الله في أخر هذا الكلام ضرب مثالاً للسارق ولم يجعل المثال في صاحب بدعة فتنبه.
وأيضاً نقول أن المؤمن مأمور بالعدل والإنصاف بل والإحسان مع من يقاتلهم من الكفار كما قال عليه الصلاة والسلام: " وأذا قتلتم فأحسنوا القتلة " فكيف بمن لازال على دين الإسلام , فكما أن قتال الكفار لم يمنع إقامة العدل لهم , كذلك هجر المبتدع وذمه والتنفير عنه لا يمنع من استيفاء حقوقه من قِبَل المؤمن الهاجر ولا يهتدي إلى هذا الأصل إلا من كان صادقاً في القيام بهذا وهذا وسلفنا الصالح خير من قام بهذا وهذا.
يقول الدكتور الشريف عفا الله عنه:
أن التشديدَ مع أهل البدع خلافُ الأصل فيهم (وهذا أوّلاً)، (وثانيًا): أنّ التشديدَ معهم ينبغي أن يكون بالقَدْرِ الذي نظنّ أنه سيُصلحه أو يدفع إفسادَه، دون مجاوزة هذا الحدّ؛ لأنه ما زال مسلمًا.وإذا كان صاحبَ تَدَيُّنٍ وتعظيمٍ لحرمات الدين مع بدعته، فهذا يستحق من هذه الجهة ما يستحقُّهُ المؤمنون من الإكرام وحفظ الحقوق.أهـ
أقول:
لو قمنا برد هذا الكلام الى السنة المطهرة وفعل الصحابة المهديين والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم اجمعين , لما وجدنا ما يشهد له أو يعضده بل هناك من السنن ما يخالف هذا التقرير الباطل من الدكتور الشريف عفا الله عنه ومن ذلك إنكار النبي عليه الصلاة والسلام على خيار الصحابة الرهبانية التي عزم على فعلها وشدد عليه الصلاة والسلام عليهم حتى قال " من رغب عن سنتي فليس مني " وهذا هو الأصل في كل مبتدع.
ومن ذلك فعل عمر رضي الله عنه مع صبيغ حتى روى ابن حجر 15 في ترجمه صبيغ رحمه الله أنه ضُرب مائة سوط فلما برئ دعاه فضربه مائة أخرى ثم حمله على قتب وكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أن حرم على الناس مجالسته وفي رواية وكتب إلينا عمر رضي الله عنه أن لا تجالسوه قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا.
فالأصل في أهل البدع قوله عليه الصلاة والسلام: " من رغب عن سنتي فليس مني " فمن كان ذا قدرة من الأمراء بأن يفعل بهم مثل ما فعل عمر رضي الله عنه فهو واجب عليه وهذا في حال قوة أهل السنة وأما إن كان حال أهل السنة الضعف والقلة كما كان حال شيخ الإسلام في بعض فترات حياته فيجب جهادهم بالعلم والقلم ولا يسقط هذا بحال عن أهل العلم العاملين وذلك لقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }[البقرة:159]
وأخيراً قول الدكتور الشريف:
وبذلك يتضح أن تصوّرنا بأن منهج التعامل مع المبتدعة والبدع منهجٌ واحد خطأٌ كبير في التصوُّرِ، ويخالف ما كان عليه السلف فانظر تعظيمَهم لبعض من تلبّس ببدعة، إذا كان فيه من العلم والإيمان ما يغلب فسادَ بدعته: كقتادة بن دعامة القدري وانظر تفريقهم بين الداعية وغير الداعية، وبين المعاند والمتأوّل.أهـ
أقول:
الأصل في منهج السلف تجاه أهل الأهواء والبدع معلوم منثور في كتب السنة , وأما المستثنى من ذلك فلا يجوز أن نجعله أصلاً وحكماً عاماً تجاه جميع أهل البدع.
فكل بدعة ضلالة ويجب ردها وإن كان صاحبها من يكون في العلم والعمل , مع حفظ مكانة أهل العلم والفضل الذابين عن السنة والداعين لها والمحكمين لها في جميع أقوالهم وأفعالهم.
والمشكلة اليوم 16 هي أن بعض الفضلاء يشكل عليهم هذا المنهج السلفي الحق في التعامل مع أهل البدع والأهواء وذلك لكثرة البدع والأهواء اليوم فمن أراد أن يطبق هذا الحق يجد نفسه غريباً فيؤثر السلامة – في ظنه – وخصوصاً أن البدع اليوم يحدثها أناس من بني جلدتنا بل وبعضهم إخوان لنا من المنتسبين للعلم , فيستعصى على البعض أن يطبق منهج السلف في مثل هولاء من ذوي القربى نسباً أو سكناً , وكأن الموالاة والمعادة قائمة على هذه القرابة وليست على الحق!!
ومثال ذلك الحزبية أو الليبرالية وهما لا شك أنهما من البدع المحدثة خصوصا إذا كان الداعي لها ممن يتلبس لباس الدين ومن يدعي لها هم بعض من يجاورنا في داخل هذه البلاد الموحدة ومع ذلك لا يجرؤ إلا القليل بالمنادة بتطبيق منهج السلف في هجرهم والتنفير عن دعوتهم المخالفة للكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة.
فدولتنا والحمد لله دولة سلفية قائمة على التوحيد والسنة بمنهج سلف الامة مع بعض التقصير والسنة فيها عزيزة مقارنة بما حولها من البلدان ولله الحمد والمنة فالواجب على دعاة السنة الصدع بالدعوة وتحذير الناس من كل ما يخالف السنة المطهرة سواء صغرت البدعة أو كبرت والله إنكم لمسئولون أمام الله يا من تنتسبون للسنة وتتهاون مع أهل البدعة اللهم أشهد.
وختاماً أقول سائلاً ربي العزيز الحميد بأن يغفر لنا وللدكتور خطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا إجتنابه , والله أعلم
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين
=============================
1- شرح السنة للبربهاري ص129 ط دار الصميعي.
2- الإستقامة ص321-322 ط دار الفضيلة
3- صحيح البخاري – كتاب الحدود (6623)
4- الموطأ – كتاب الحدود (1521)
5- صحيح البخاري كتاب النكاح (4943) صحيح مسلم كتاب النكاح(3751)
6- شرح السنة ص114 ط دار الصميعي
7- صحيح البخاري كتاب اللباس – باب نقض الصور (5815)
8- مقدمة لسان الميزان لابن حجر العسقلاني رحمه الله
9- الجامع لأخلاق الراوي والسامع (1\333) ط مكتبة المعارف
10- فتح الباري (8\156) ط دار السلام
11- صحيح البخاري كتاب الذبائح والصيد – باب الخذف والبندقة (5353)
12- فتح الباري (9\753) ط دار السلام
13- مجموع الفتاوى (11\470)
14- مجموع الفتاوى (28\209)
15- أنظر ترجمة صبيغ بن عسل في الإصابة
16- ويستغرب الناظر اليوم في الساحة الإسلامية مدى السقوط العجيب ممن كان في أقصى اليمين دفاعاً عن الدين بزعمه ومنكراً كل ما يخالفه بل وكان يصل به الأمر التشنيع على كل صغيرة وكبيرة في المجتمع متجاهلاً الحكمة في ذلك وهو اليوم مداهناً لأهل البدع بل مزكياً لهم داعياً للأخذ عنهم بل ويزاورهم في عقر دارهم والله المستعان!!
وهذا مصداق قول ابن سرين رحمه الله لما قيل له أرايت فلان قد عاد عن رأيه - المخالف للسنة - قال ابن سيرين: أنظر الى ماذا يتحول!؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبع سنته وهداه ....أما بعد,
قال عليه الصلاة والسلام: " أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي. أُذَكِّرُكُمُ اللّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي " صحيح مسلم
فمحبة آل البيت الطيبين الموحدين الأشراف طاعة لنبينا صلى الله عليه وسلم وبالتالي فهي عبادة نتقرب بها إلى ربنا جل في علاه.
فإن كان للمسلم على أخيه المسلم حقوق فلآل البيت الأطهار حق زائد لاتصال نسبهم الشريف بخير البرية وسيد البشرية محمد بن عبد الله صلى عليه الله وسلم تسليماً كثيراً.
ومن هذه الحقوق النصيحة في الدين وخصوصاً والمخطئ من سلالة صاحب الدين المبلغ عن رب العالمين.
فقد كتب الشيخ الدكتور الشريف حاتم العوني عفا الله عنه وبالغ في الجواب عن الواجب تجاه المعاملة مع المبتدعين وقد جانبه الصواب والى الله المرجع والمآب.
والمشكلة أن الدكتور الشريف عفا الله عنه أتبع منهج " اعتقد ثم استدل " وهذا الذي ساقه إلى سيء القول ومن ذلك:
1- تقرير الدكتور العجيب بأن البدعة يرد عليها وتبين للناس وينفر عنها أما المبتدع فلا يشدد عليه!!
2- سوء فهمه لمسألة الهجر فوق الثلاث.
3- إتهامه لغيره بأنهم يأخذون من كلام الائمة ما يوافق تصوراتهم وهو يفعل عين هذا الفعل المستنكر!!
4- عدم تنقيحه مناط مسألة من هو المبتدع المقصود بالهجر والتنفير عن مجالسه وأقواله.
5- استماتته عفا الله عنه في المساواة بين البدع والمعاصي وتلميحه بأن فتن الشهوات أخطر على الدين من فتن الشبهات وهذا خلاف ما أستقر عليه أهل السنة قديماً وحديثاً.
6- إيهامه القارئ بأن قبول السلف رواية المبتدع دليل على عدم جواز هجره.
وهذا شروع في البيان وعلى الله التكلان:
قال الشيخ الدكتور الشريف عفا الله عنه:
هل تظنّ أن السلف والأئمة كانوا يقدّمون كبار الفساق وناشري الفجور والفواحش والزنا والربا غير المتلبّسين ببدعة على أولئك الجلّة من العلماء الذين ضلّوا فابتدعوا، كقتادة القدري، وعبد الرزاق الشيعي، وعُبيد الله بن موسى العبسي الرافضي، وأبي معاوية الضرير رأس المرجئة وداعيتهم، والعزّ ابن عبد السلام الأشعري, وغيرهم ممن وُصفوا ببدعة.أهـ
أقول:
لا أدري أهي غفلة من الدكتور الشريف أو تغافل عندما يزج بأسماء هولاء الأعلام وكأن الداعين من علماء الدعوة السلفية لهجر المبتدعة قديماً وحديثاً كانوا يدعون لهجر كل من تلبس ببدعة وهو من هو في ميدان من ميادين العلم!!
فهذه دعوى لا تطابق الواقع يا حضرة الشريف الدكتور , فلا بد لك إن كنت منصفاً في بحثك أن تحرر من هو المبتدع الذي قال فيه بعض السلف1 : آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد.
ومن هنا حصل الخلل في المقال , والله أعلم
فذهب الشريف الدكتور يقول:
يا معشر أتباع السلف: ليس من منهج السلف تقديمُ ناشرٍ للخنا والزنا والربا؛ لأنه غير متلبِّسٍ ببدعة، على عالم فاضل عابد مجاهد؛ لأنه تلبّس ببدعة؛ لأنّ شرّ الثاني ليس مطلقاً أعظمُ من شرّ الأول، بل ربما لم يكن بينهما تقارب. وإلا فهل يستطيع أحدٌ أن يقدّم بعض من أقام بيوت الخنا والربا من كبار الفُسّاق في زماننا على العز ابن عبد السلام أو تقيِّ الدين السبكي أو الباقلاني أو الأشعري لمذهبهم العقدي؟!!!.أهـ
أقول:
معاذ الله إن كان يقول هذا عاقل فضلاً عن عالم من علماء الدعوة السلفية قديماً وحديثاً , فهذا سوء فهم من الدكتور الشريف أو تهويل ليس له رواج عند من يعرف حقيقة الأمر!!
ولتصحيح هذا الخطأ أقول بأن السلف وكلامهم المُذهّب في البدع وأهلها لا يقع على من خدم الدين وعاش لنشر سنة سيد المرسلين ثم وقع في هفوة بل هفوات مغمورات في بحور الحسنات والله حسيب الجميع , فهولاء يُرّد على بدعهم وتُبين أخطاءهم مع حفظ مكانتهم وما بذلوه في خدمة السنة.
ولكن هناك من هو جدير بأن يقع عليه كلام السلف الصالحين في التحذير والتنفير من البدع وأهلها مطلقاً وهم كل جماعة أو مبتدع فارقوا السنة وأهلها ببدعتهم ووالوا وعادوا عليها من أمثال عمرو بن عبيد وغيلان وابن عربي والحلاج وابن الفجاءة وأتباعهم من المتقدمين ومن المتأخرين والخميني والكوثري وحسن البنا ومحمد علوي مالكي وسيد قطب ومحمد سرور ومحمد إلياس وأتباعهم ومن سار على فكرهم.
فلا بد من التفريق بين من أقام البدعة ودعى الناس إليها وضلل وكفر من خالفه فيها وبين من وقع في بدعة متأولاً وغير داعي لها أو منافحاً عنها وهذا هو العدل الذي عليه أهل السنة.
يقول الشريف الدكتور عفا الله عنه:
ومن الخطأ المنتشر بيننا تصوُّرُ أن شرَّ المبتدع مطلقاً أعظم من شر الفاسق.
ثم علق في الحاشية برقم 36 بما مضمونه أن لشيخ الإسلام في كتاب الإستقامة كلام أذا جمعناه مع كلامه المشهور عنه بأن شر المبتدع مطلقاً أعظم من شر الفاسق يتضح لنا بأن الإطلاق غير مراد!!؟
وعلل الشريف الدكتور بقوله: وكيف يريد الإطلاق؟! وهو نفسُه يرى قبولَ شهادةِ أهل البدع , دون أهل الفسوق !!
أقول والله المستعان:
قال شيخ الإسلام في الإستقامة 2: وكان السلف يحذرون من هذين النوعين من المبتدع في دينه والفاجر في دنياه كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة.
وجنس البدع وإن كان شرا لكن الفجور شر من وجه آخر وذلك أن الفاجر المؤمن لا يجعل الفجور شرا من الوجه الآخر الذي هو حرام محض لكن مقرونا بأعتقاده لتحريمه وتلك حسنة في أصل الاعتقاد وأما المبتدع فلا بد ان تشتمل بدعته على حق وباطل لكن يعتقد ان باطلها حق أيضا ففيه من الحسن ما ليس في الفجور ومن السئ ما ليس في الفجور وكذلك بالعكس.
فمن خلص من الشهوات المحرمة والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة وهذه هي الثلاثة الكلام المنهى عنه والطعام المنهى عنه والنكاح المنهى عنه فإذا اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ودينا.أهـ المقصود
فهذا كلام ابن تيمية في الإستقامة الذي جعله الشريف الدكتور معارضاً لقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28/470) «ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلّظة شرٌّ من الذنوب التي يعتقدُ أصحابُها أنها ذنوب» , وكقوله فيه (20/103): « أن أهل البدع شرٌّ من أهل المعاصي الشهوانية , بالسنة والإجماع».
فهل يا منصفين كلام شيخ الإسلام في الإستقامة يصلح معارضاً لما نقله شيخ الإسلام نفسه من الإتفاق بل والسنة والإجماع بأن أهل البدع شرَّ من أهل المعاصي!!؟
ولمساعدة المنصفين على الجواب أسوق الأدلة من السنة الشريفة على صحة الإجماع المنقول من شيخ الإسلام على أن البدع وأهلها شر من المعاصي وأهلها:
أخرج البخاري في صحيحه 3 عن عمرَ بن الخَطاب أن رجلاً كان على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يُلقبُ حِماراً وكان يُضحكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد جَلدَهُ في الشراب، فأُتيَ به يوماً فأمرَ به فجُلدَ، فقال رجلٌ منَ القوم: اللهمَّ العَنْهُ، ما أكثرَ ما يؤتى به! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَلعَنوهُ، فو الله ما علمتُ إلا أنه يحبُّ الله ورسوله».
وروى مالك في موطأه 4 عن زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ ،؛ أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله . فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ. فَقَالَ: «فَوْقَ هٰذَا» فَأُتِيَ بِسَوطٍ جَدِيدٍ، لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ: «دَونَ هٰذَا» فَأتِيَ بِسَوطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ. فَأَمَرَ به رَسُولُ الله فَجُلِدَ. ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ. قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ الله. مَنْ أَصَابَ مِنْ هٰذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئاً، فَلَيَسْتَتِرِ بِسِتْرِ الله. فَإنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَناَ صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله». ووصله الحاكم في مستدركه وقال على شرط الشيخين.
وأخرج البخاري في صحيحه5 عن أنسَ بن مالكٍ رضيَ الله عنه يقول: «جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألونَ عن عبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأَنهم تَقالُّوها، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قد غَفر اللهُ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وماتأخَّر. قال أحدُهم: أما أنا فأنا أصلِّي الليلَ أبداً. وقال آخر: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطر. وقال آخر: أنا أعتزِلُ النساء فلا أتزوَّجُ أبداً. فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتُم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مني».متفق عليه
من ما تقدم تعرف يا عبد الله بأن النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه نهى أصحابه أن يلعنوا صاحبهم السكران وأرشد الزاني لما يدرأ عنه الحد بأن يستر نفسه أذا ابتلي بشيء من هذه المعاصي لعلمه عليه الصلاة والسلام بأن الشيطان لا يفتر بأن يوقع المسلم في الشهوة فالنفس مجبولة عليها إلا من كمل إيمانه وعافاه الله من هذه القاذورات فكان النبي عليه الصلاة والسلام نعم المعلم لصاحب المعصية ولمن أنكر عليه بأن لا يتعدى في إنكاره.
والعكس بالعكس فعندما يأتي بعض الرجال الصالحين فيتحروا عمل خير العابدين صلى الله عليه وسلم , فيرغبوا في الزيادة على السنة بإجتهاد منهم يروموا منه مرضاة ربهم , وفيهم المتبتل الصالح عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه , فينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وينسب فعلهم بأنه مفارقة للسنة وأنهم ليسوا منه عليه الصلاة والسلام إن رغبوا عن سنته.
فالفاسق يقال له أستتر بستر الله ويقال لمن يلعنه لا تلعنه , أما الرجل الصالح المتبتل الراغب في زيادة العمل فيقال له من رغب عن سنتي فليس مني!!
بهذا تفهم ما قاله البربهاري 6 رحمه الله:
إذا رأيت الرجل رديء الطريق والمذهب فاسقا فاجرا صاحب معاص ظالما وهو من أهل السنة فاصحبه واجلس معه فإنه ليس تضرك معصيته وإذا رأيت الرجل عابدا مجتهدا متقشفا محترفا بالعبادة صاحب هوى فلا تجلس معه ولا تسمع كلامه ولا تمشي معه في طريق فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه.
رأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: [يا بني من أين خرجت قال من عند عمرو بن عبيد قال يا بني لأن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان ولأن تلقى الله زانيا سارقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء].
أفلا تعلم أن يونس قد علم أن الهيتي لا يضل ابنه عن دينه وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره.أهـ كلام البربهاري
وليس هذا تهوين من المعاصي حاشا سلفنا الصالح عن هذا المعنى , فالمؤمن الحق المستقيم على دين الله يبغض كل أمراً يبغضه ربه , ولكن من فقه في دين الله هو الذي يعرف شر الشرين وخير الخيرين فيقدم هذا على هذا في الترهيب والترغيب.
يقول الشريف الدكتور عفا الله عنه:
إن المبتدع لا يـصحُّ أن يُنزَّل مطلقًا في أحد تلك الـمنازل الشرعية، لأنه قد يـكـون مـؤمنا عـدلا ولـذلك قـبلوا شهادته وقبلوا روايته أيضًا، وقد يكون فاسقا.أهـ
أقول:
لم يكن قبول السلف شهادة و رواية أهل البدع قبولاً مطلقاً , ولا يجوز أن نسمي المبتدع بأنه عدل بشكل مطلق , فالتعديل لهم إنما فيما يروونه أو يشهادوا به وليس في كل شهادة أو كل رواية ومثال ذلك أن البخاري وهو البخاري 7روى للخارجي عمران بن حطان الذي مدح الهالك ابن ملجم قاتل علي بن ابي طالب رضي الله عنه!!
فهولاء الخوارج قد جرحهم الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام فكيف يكونوا عدولاً من بعد هذا الجرح النبوي؟
يقول الحافظ ابن حجر 8 رحمه الله:
وينبغي ان يقيد قولنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقا ولم يكن داعية بشرط ان لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشيدها فانا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى والله الموفق.أهـ
فلا يجوز للشريف الدكتور عفا الله عنه أن يطلق القول بعدالة المبتدع الذي تقبل روايته فالبدعة في ذاتها مُسقطةٌ للعدالة , ولا يعضد قوله رواية بعض الائمة عنهم , لأن من روى عنهم من الائمة ذو بصيرة بما يقبلونه وبما يردونه , بل هناك من الائمة من لا يقبل للمبتدعة رواية مثل الإمام مالك , وهناك من لا يرضى أن يحدثهم مطلقاً كزائدة بن قدامة فيما رواه عنه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع .9
وقال الدكتور الشريف عفا الله عنه:
وسأضرب هنا مَـثَلًا بأحد أظهر الحقوق التي يُظَـنُّ أنها مُـنْـتَـقَصَةٌ من الحقوق الإسلاميّة للمبتدع ، ألا وهو تحريم هجر المسلم فوق ثلاثة أيام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان فَـيُـعْرِضُ هذا ويُعرضُ هذا، وخيرُهما الذي يبدأ صاحبَه بالسلام».أهـ
أقول:
جاء في الصحيحين بأن النبي عليه الصلاة والسلام هجر جميع زوجاته شهراً كاملاً وكذلك هجر الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك.
قال الحافظ في الفتح10 : وفيه ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيا.أهـ
وعن عبدِ الله بن مُغفَّلٍ رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يَخذف فقال له: «لا تخذفْ، فإِنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف ـ أو كان يَكرهُ الخَذف ـ وقال: إنهُ لا يُصادُ به صَيدٌ ولا يُنكأُ به عَدوٌّ، ولكنَّها قد تَكسِرُ السنَّ، وتفقأ العين. ثمَّ رآهُ بعد ذلك يخذِفُ فقال له: أُحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخَذفِ ـ أو كرهَ الخَذف ـ وأنت تخذِف؟ لا أكلِّمك كذا وكذا».صحيح البخاري11
قال الحافظ ابن حجر 12: وفي الحديث جواز هجران من خالف السنة وترك كلامه، ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجر فوق ثلاث فإنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه.أهـ
قلت: ومن هذا الباب يكون هجر أهل البدع كما فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع صبيغ بن عسل رحمه الله.
وقال الدكتور الشريف عفا الله عنه:
وقد تأتي عباراتٌ عن السلف في هذا الباب قد يظنها بعضُنا متناقضة، وقد يكون التناقُضُ في فهمنا لها، لا في تلك العبارات! فيعمد بعضُنا إلى انتقاء ما يريد، وترك ما لا يريد، لا لعدم اطلاعه على ما لا يرتضيه، ولا لكونه قد وجّهَ ما لا يرتضيه توجيها سائغا على ما وَفْقِ ما يرتضيه، ولكنه أغفله وتَعَامَى عنه لأنه لا يرتضيه فقط!!أهـ
أقول: هذا عين ما فعلته يا دكتور وللأسف , فقد تغافلت عن الأقوال المأثورة المتواترة عن السلف والخلف في قبح البدع وسوء مآلها والتنفير عن مجالسة أهلها وإنها هدم للدين فلا يسوغ السكوت عمن يُحدثها ومثال ذلك ما فعلته تجاه أقوال الأئمة مالك واحمد وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتوجيهها توجيهاً مخل بمقصودهم رحمهم الله.
وسأورد لك أيها القارئ الفطِّن من فعل شيخ الإسلام ما يؤكد قوله رحمه الله في أن أهل البدع يجب أن يجاهدوا ويحذر منهم وينفر من مجالستهم وطرائقهم وذلك يكون بالسنان من قبل ولاة الأمر من الأمراء وباللسان وهذا هو واجب اهل العلم وهم الشق الثاني من معنى وأولي الأمر منكم .
جاء في مجموع الفتاوى 13 القصة العظيمة لشيخ الإسلام في مناظرته للبطائحية الرفاعية وهم فرقة مبتدعة فأنكر عليهم ابو العباس بدعتهم وحذر الناس منهم حتى وصل بهم الأمر للأمير فأشتكوا ابن تيمية عند الأمير فتمت المناظرة , وبعد أن أقتنع الأمير بكلام شيخ الإسلام في هولاء المبتدعة فسأل الأمير ابن تيمية في الواجب تجاه هولاء المبتدعة قائلاً: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال.
فقلت – ابن تيمية القائل -: بهذه السياط الشرعية. فأعجب الأمير وضحك، وقال: أي والله! فقال شيخ الإسلام: بالسياط الشرعية، تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير وقلت – لازال المتكلم ابن تيمية -: هذا نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير هذا الكلام، وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يُقرُّون ولا نقر نحن؟ فقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فافحموا لذلك.أهـ
الشاهد هنا وهو شدة شيخ الإسلام على أهل البدع واستنكار هولاء المبتدعة من إقرار أهل الكتاب من أهل الذمة والمعاهدين على دينهم وعدم إقرار أهل السنة لهم على بدعتهم.
فقال ابوالعباس رحمه الله: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فافحموا لذلك.
وأما قول شيخ الإسلام 14: وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خيرٌ وشرٌّ، وفجورٌ وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسنةٌ وبدعةٌ = استحقَّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقَّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجباتُ الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا.وهذا كاللصِّ الفقير: تُقطَعُ يدُهُ، ويُعطَى من بيت المال ما يكفيه.أهـ
فهذا النص منه رحمه الله حق وصدق فإن كان الكافر وهو كافر لا يكون شر محض فالمسلم من باب أولى , لكن يخطئ من يجعل هذا النص من شيخ الإسلام ناسخاً أو معارضاً لما تقرر من منهج السلف تجاه أهل البدع , بل أن ابن تيمية رحمه الله في أخر هذا الكلام ضرب مثالاً للسارق ولم يجعل المثال في صاحب بدعة فتنبه.
وأيضاً نقول أن المؤمن مأمور بالعدل والإنصاف بل والإحسان مع من يقاتلهم من الكفار كما قال عليه الصلاة والسلام: " وأذا قتلتم فأحسنوا القتلة " فكيف بمن لازال على دين الإسلام , فكما أن قتال الكفار لم يمنع إقامة العدل لهم , كذلك هجر المبتدع وذمه والتنفير عنه لا يمنع من استيفاء حقوقه من قِبَل المؤمن الهاجر ولا يهتدي إلى هذا الأصل إلا من كان صادقاً في القيام بهذا وهذا وسلفنا الصالح خير من قام بهذا وهذا.
يقول الدكتور الشريف عفا الله عنه:
أن التشديدَ مع أهل البدع خلافُ الأصل فيهم (وهذا أوّلاً)، (وثانيًا): أنّ التشديدَ معهم ينبغي أن يكون بالقَدْرِ الذي نظنّ أنه سيُصلحه أو يدفع إفسادَه، دون مجاوزة هذا الحدّ؛ لأنه ما زال مسلمًا.وإذا كان صاحبَ تَدَيُّنٍ وتعظيمٍ لحرمات الدين مع بدعته، فهذا يستحق من هذه الجهة ما يستحقُّهُ المؤمنون من الإكرام وحفظ الحقوق.أهـ
أقول:
لو قمنا برد هذا الكلام الى السنة المطهرة وفعل الصحابة المهديين والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم اجمعين , لما وجدنا ما يشهد له أو يعضده بل هناك من السنن ما يخالف هذا التقرير الباطل من الدكتور الشريف عفا الله عنه ومن ذلك إنكار النبي عليه الصلاة والسلام على خيار الصحابة الرهبانية التي عزم على فعلها وشدد عليه الصلاة والسلام عليهم حتى قال " من رغب عن سنتي فليس مني " وهذا هو الأصل في كل مبتدع.
ومن ذلك فعل عمر رضي الله عنه مع صبيغ حتى روى ابن حجر 15 في ترجمه صبيغ رحمه الله أنه ضُرب مائة سوط فلما برئ دعاه فضربه مائة أخرى ثم حمله على قتب وكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أن حرم على الناس مجالسته وفي رواية وكتب إلينا عمر رضي الله عنه أن لا تجالسوه قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا.
فالأصل في أهل البدع قوله عليه الصلاة والسلام: " من رغب عن سنتي فليس مني " فمن كان ذا قدرة من الأمراء بأن يفعل بهم مثل ما فعل عمر رضي الله عنه فهو واجب عليه وهذا في حال قوة أهل السنة وأما إن كان حال أهل السنة الضعف والقلة كما كان حال شيخ الإسلام في بعض فترات حياته فيجب جهادهم بالعلم والقلم ولا يسقط هذا بحال عن أهل العلم العاملين وذلك لقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }[البقرة:159]
وأخيراً قول الدكتور الشريف:
وبذلك يتضح أن تصوّرنا بأن منهج التعامل مع المبتدعة والبدع منهجٌ واحد خطأٌ كبير في التصوُّرِ، ويخالف ما كان عليه السلف فانظر تعظيمَهم لبعض من تلبّس ببدعة، إذا كان فيه من العلم والإيمان ما يغلب فسادَ بدعته: كقتادة بن دعامة القدري وانظر تفريقهم بين الداعية وغير الداعية، وبين المعاند والمتأوّل.أهـ
أقول:
الأصل في منهج السلف تجاه أهل الأهواء والبدع معلوم منثور في كتب السنة , وأما المستثنى من ذلك فلا يجوز أن نجعله أصلاً وحكماً عاماً تجاه جميع أهل البدع.
فكل بدعة ضلالة ويجب ردها وإن كان صاحبها من يكون في العلم والعمل , مع حفظ مكانة أهل العلم والفضل الذابين عن السنة والداعين لها والمحكمين لها في جميع أقوالهم وأفعالهم.
والمشكلة اليوم 16 هي أن بعض الفضلاء يشكل عليهم هذا المنهج السلفي الحق في التعامل مع أهل البدع والأهواء وذلك لكثرة البدع والأهواء اليوم فمن أراد أن يطبق هذا الحق يجد نفسه غريباً فيؤثر السلامة – في ظنه – وخصوصاً أن البدع اليوم يحدثها أناس من بني جلدتنا بل وبعضهم إخوان لنا من المنتسبين للعلم , فيستعصى على البعض أن يطبق منهج السلف في مثل هولاء من ذوي القربى نسباً أو سكناً , وكأن الموالاة والمعادة قائمة على هذه القرابة وليست على الحق!!
ومثال ذلك الحزبية أو الليبرالية وهما لا شك أنهما من البدع المحدثة خصوصا إذا كان الداعي لها ممن يتلبس لباس الدين ومن يدعي لها هم بعض من يجاورنا في داخل هذه البلاد الموحدة ومع ذلك لا يجرؤ إلا القليل بالمنادة بتطبيق منهج السلف في هجرهم والتنفير عن دعوتهم المخالفة للكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة.
فدولتنا والحمد لله دولة سلفية قائمة على التوحيد والسنة بمنهج سلف الامة مع بعض التقصير والسنة فيها عزيزة مقارنة بما حولها من البلدان ولله الحمد والمنة فالواجب على دعاة السنة الصدع بالدعوة وتحذير الناس من كل ما يخالف السنة المطهرة سواء صغرت البدعة أو كبرت والله إنكم لمسئولون أمام الله يا من تنتسبون للسنة وتتهاون مع أهل البدعة اللهم أشهد.
وختاماً أقول سائلاً ربي العزيز الحميد بأن يغفر لنا وللدكتور خطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا إجتنابه , والله أعلم
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين
=============================
1- شرح السنة للبربهاري ص129 ط دار الصميعي.
2- الإستقامة ص321-322 ط دار الفضيلة
3- صحيح البخاري – كتاب الحدود (6623)
4- الموطأ – كتاب الحدود (1521)
5- صحيح البخاري كتاب النكاح (4943) صحيح مسلم كتاب النكاح(3751)
6- شرح السنة ص114 ط دار الصميعي
7- صحيح البخاري كتاب اللباس – باب نقض الصور (5815)
8- مقدمة لسان الميزان لابن حجر العسقلاني رحمه الله
9- الجامع لأخلاق الراوي والسامع (1\333) ط مكتبة المعارف
10- فتح الباري (8\156) ط دار السلام
11- صحيح البخاري كتاب الذبائح والصيد – باب الخذف والبندقة (5353)
12- فتح الباري (9\753) ط دار السلام
13- مجموع الفتاوى (11\470)
14- مجموع الفتاوى (28\209)
15- أنظر ترجمة صبيغ بن عسل في الإصابة
16- ويستغرب الناظر اليوم في الساحة الإسلامية مدى السقوط العجيب ممن كان في أقصى اليمين دفاعاً عن الدين بزعمه ومنكراً كل ما يخالفه بل وكان يصل به الأمر التشنيع على كل صغيرة وكبيرة في المجتمع متجاهلاً الحكمة في ذلك وهو اليوم مداهناً لأهل البدع بل مزكياً لهم داعياً للأخذ عنهم بل ويزاورهم في عقر دارهم والله المستعان!!
وهذا مصداق قول ابن سرين رحمه الله لما قيل له أرايت فلان قد عاد عن رأيه - المخالف للسنة - قال ابن سيرين: أنظر الى ماذا يتحول!؟