المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خلل في [ تقييم طلبة العلم للمشايخ والعلماء ]


عبدالله القاضي
30 Apr 2008, 03:32 AM
جميلٌ أن يُعملَ الإنسان عقله و فكره مقيِّماًأمراً مما يسوغ له أن يدخل في التقييم له ، و هذا نوع من إعمال الفكر في اختيار وتحقيق ما يناسبه .
لكن المؤسف أن يكون هذا التقييم مطلقاً لا ضوابط له ، أو يكوناتكاؤه على ضوابط وهمية خرافية لا تنتج إلا خللاً كبيراً ، و خرقاً واسعاً .
فلعظم هذا الأمر تعيَّن الكتب في هذا إيضاحاً و بياناً للخلل الواقع و الحاصلفي التقييم عند كثير من طلاب العلم .
و قبل البدء بذكر الخلل أريد أن أبيِّن أنالتقييم إنما هو : تقييم بعضُ طلاب العلم الشيوخَ من أهل العلم ، و الدين .
فمنالخلل :
أولاً : تقييم العالم بكثرة دروسه و لقاءاته العلمية .
و هذا سائد ومنتشر عند الأغلبية من طلاب العلم ، فما أن يروا عالماً قد ربت دروسه و كثرت إلا وتكالبت عليه ألقاب التعظيم ، و شارات : العلامة ، الفذ ، الحافظ ، … إلخ .
ويكون هذا التقييم في بعض الأحايين في مقابل عالمٍ آخر مثله في : السن ، العلم ،المكانة ، الشيوخ.
و هذا خلل بيِّن لكل ذي عينين ، و واضح لمن أنار الله بصيرته .
فلم يكن معهوداً عند السالكين مجال العلم أن كثرة دروس الرجل دالة على قوة فيالعلمية تؤهله أن يفضل على غيره ، أو أن يُلزم فلا يُغادر درسه .
و ليست قلتهادالة على قلة علم الرجل ، و ضيق مداركه العلمية .
و لو نظرنا بهذا الاعتبار لكنامُسْقطين لجملة من أهل العلم _ الذين هم أهله _ في قديم الزمان و حديثه ، و آخذينلجملة من المتصفين بالعلم _ و لم يدركوا حال الذين قبلهم _ كذلك .
نعم ؛ الأصلأن كثرة الدروس فيها دلالة على كثرة علم الشيخ و لكنها دلالة ظنيَّة لا يقين فيها .
و بيان كونها ظنية ليست باليقينية أن أهل العلم فيهم تفاوت في أحوالهم :
فمنهم من هو كثير الأشغال ، فلا يكاد يجد له وقتاً يفرغ فيه للتعليم أصلاً ،أو الزيادة من مجالس التعليم .
و منهم من لم يفتح الله _ تعالى _ له في التعليملكن فتح عليه في مجالات أُخر .
و منهم من لم يُعرف ، و منهم من لم يُعطَ أسلوباًفي التعليم مناسباً لحال طلاب زمانه .
إلى غير ذلك من الأحوال التي لا يكاد يخلومنها أحد من أهل العلم ممن هذا شأنه .
و إذا نظرنا أيضاً إلى العالم المكثر منالدروس و مجالس التعليم نجد أن الكتب التي يقوم بشرحها و تدريسها كلها ذات ترابطبينها فهو إما أن يشرح في : الفقه ، أو الحديث ، أو الاعتقاد ، أو المصطلح ، … إلخ؛ فهذه كلها علوم كتبها إنما هي إعادة و تكرار ، فليس فيها دليل على علمية العالم ،أو قوته .
ثانياً : التقييم بكثرة الكتب .
يعمد كثير من الناس إلى تقييمالعالم و إيضاح رتبته العلمية من خلال ما له من الكتب و التصانيف ، و هذه حجةالجاهل بأحوال أهل العلم ، و مسالك التصنيف .
لو كان كلُّ من صنف و ألف عالماًلما كان للقولة الشهيرة ( من صنف فقد استهدف ) و لا للأخرى ( من ألف فقد عرض عقلهعلى الناس ) أي معنى و مكانة ؛ إذ لو كان لا يؤلف إلا العالم لكان تأليفه عرض لكمالعقله ، و تمام علمه و نضوجه ، لا ليحظى بتقييم ممن هو بحاجة إلى تقييم .
فلوأبصرنا حال المكتبات في هذه الآونة لوجدنا الأكثرية من المؤلفين إنما هم ممن ليسواعلى حال متقدمة في العلم .
بعض أهل العلم لا يرى نفعاً _ له _ في التأليف والتصنيف فلا حاجة له في أن يشغل نفسه في مثل ذلك .
و منهم من لم يرزقه اللهجلداً على التأليف و الجلوس له ؛ إذ التأليف محتاج إلى تفرغ للبحث و التنقيب فيبطون الكتب .
و منهم من يكتفي في التأليف في الأمور التي لم تطرق فيؤلف فيها .
و غالب من ألف حاله بعكس حال من لم يؤلف .
بل أكثر التآليف في هذه الأزمنةمفرغة من الأشرطة السمعية فليست تأليفاً ، و لو صحَّ أن تسمى تأليفاً لكان كل بليغو متفيهق يتكلم في أشرطة ثم تفرغ و تنشر كتباً مرقوم على طرتها ( تأليف ) .
ثالثاً :التقييم بكبر السن .
ما أظن زماناً عُهد فيه تقدم السن دليلاً علىالعلم مثل زماننا هذا .
بل لم يعرف للعلم وقتاً و لا عمراً ؛ و إنما هو مُنالٌبالجد ، و السلوك الأمثل في التحصيل .
لا شك أن للعمر دوراً في رسوخ القدم فيالعلم و التمكن فيه ، و قوة التحرير و التدقيق في المسائل ، لكن ليس هو مقياساً وميزاناً ثابتاً لتقدير علم العالم : كماً و كيفية .
و التأريخ حاكم على هذاالميزان _ الذي تعلق به من تعلق لتقييم بعض أهل العلم على بعض _ بالإبطال و النقض ،و من قرأ السير درى الخبر .
رابعاً :التقييم بكثرة الطلاب .
إن الاحتجاج والاستدلال على مدى علمية العالم و قوته بكثرة الطلاب أو قلتهم من الأمور التي لايلتفت إليها إلا جهلة المنتسبين إلى طلبة العلم و لمّا يدركوا .

إيضاح ذلكأن الطلاب يكثرون عند الشيخ لأسباب ، أجملها في :
(1) حسن أسلوب الشيخ و براعتهفي الشرح .
(2) ميول بعض الطلاب إلى الشيخ و محبتهم له _ و الحب يعمي و يصم _ .
(3) مكانة الشيخ : العلمية ، المنصبية ، النسبية ، … إلخ .
(4) التخصص ، أوالتفرد بنوع من العلم .
فلا عبرة بعد هذا بالتقييم بكثرة الطلاب .
و ليُعلمأن كثرة الطلاب عند الشيخ دليل _ في الغالب _ على خلل في التأصيل في الطلب .
خامساً :التقييم من خلال : الحب و البغض .
فبعض طلاب العلم يفضا فلانا علىفلان لمحبته له و بغضه للثاني ، و قد يكون الثاني أكثر علماً و قدراً ، و هذا ظلمبيِّن ظاهر .
و هذا مما لا يحتاج إلى بيان و لا إيضاح فتوضيح الواضحات منالفاضحات .
هذه بعض الخلل الموجود في صفوف طلاب العلم في هذه الأزمنة _ و اللهالمستعان _ .
و ليعلم المشتغل بالتقييم أنه مقبل على ربه _ تعالى _ و محاسبه علىكل صغيرة و كبيرة فلا يعلقن في ذمته شيئاً من مثل هذه الأمور ، و ليتق الله _ تعالى _ فإن لحوم العلماء مسمومة ، و عادة الله في منتهكم معلومة .
سادساً : التقييممن خلال ما يريده الشباب من الكلام في بعض القضايا الساخنة ، فنرى كثيراً من الناسكبَّرَ فلاناً ( طالب العلم ) لكونه قد أدلى بدلوه في بعض القضايا الحالَّة ، أوأفتى بما تميل إليه رغبات الشباب _ و لا يعني ذلك أنه يفتي على رغباتهم ؛ لا ، ولكن يفتي بما يراه حقاً فيتعلقون به _ و أما من خالف ما يريدونه فذاك فيه و فيه ، ومن الصنف الفلاني .
و ليحذر من الحجة المهلكة _ التي قذفها الشيطان في قلوب بعضطلاب العلم _ : الكلام في مثل هذه الأمور إنما هو بيان حالٍ ، أو غيبة في ذات الله _ تعالى _ .
و ليعمر الواحد منا _ في هذا الزمان خاصة_ قلبه بالورع فهو خيرديننا .
و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .


كتبهذو المعالي
17/2/1423هـالثلاثاء

مكاوي
30 Apr 2008, 11:21 PM
جزى الله كاتب المقالة خيرا، ووفقك أيها الناقل عبدالله لما يحبه ويرضاه، وسلك بك طريق الرشاد..

لا شك أن من وسائل معرفة مدى تمكن الرجل في العلم ورسوخه فيه: نتاجه العلمي ومؤلفاته؛ ذلك أن الغالب في العلماء أنهم لا يتصدرون للتأليف إلا بعد شعورهم بتمكنهم من ناصية العلم والمجال الذي يرغبون التأليف فيه..
ويحسن بنا أيضا في هذا المقام إيراد مظهر آخر من المظاهر التي يمكن من خلالها تقييم العالم وهو: شهود أهل العلم الموثوقين له بالعلم، وقد قيل قديما: لا يشهد للعالِم إلا العالِم.
ويقاس على ذلك أيضا: مؤلفاته، لأن في حيازتها على الثناء العاطر والقبول من أكابر أهل العلم دلالةً على تمكن المؤلف في المجال الذي ألّف فيه.
وثمة مظهر آخر من مظاهر تقييم العالم ألا وهو: نوعية الطلبة الذين يجثون بركبهم عنده؛ لأن اشتهار طلابه بالنبل والتمكن العلمي دليل على تقدم شيخهم؛ إذ لا يعقل تضييعهم لأعمارهم عند من لا يرجون منه استفادة تُذكر. والله أعلم.