Abu Amer
04 Apr 2008, 05:12 PM
.. أمانة طالب العلم ..
أبو نجيب عبد المنعم حسن
طلب مني من قِبل عميد شؤون الطلاب بالجامعة الإسلامية بالمدينة توزيع استمارات على الطلاب لباحثة من أقاربه في إحدى كليات البنات التابعة لوزارة التربية لإتمام دراسة ميدانية موضوعها : الاهتمام بالشباب المواطن . .
فمبادرة مني وافقت على هذا الطلب - ولا تغفلوا عن مثولي أمام الأمر الواقع - واستلمت مظروف الاستمارات راكباً صهوة جد ونشاط ، وبدأت ألم جيوش أفكاري في كيفية انجاز المهمة - بالرغم من سهولتها - فأشار علي عقلي بعد جلسة عقدها في قاعة الأفكار أن أدفعها للطلبة الساكنين معي في سكن الجامعة لقربهم مني وتوفر سويعات الفراغ لديهم . .
وفعلاً بدأت أتحرك بتحكم شديد من حسن الظن بهم موصولِ الأسلاك بكهرباء الأمل النافذ حتى وقفت على أول باب وفي يميني الاستمارات وفي شمالي طرقات الباب الرقيقة ، والعبارات تعرض عضلاتها في مخيلتي ، كل منها ترجو مصاحبة التحية وتسليم الاستمارة ، وما زلت أحكم بينها حتى فاجأني صاحب الباب بإزالة الحجاب بيني وبينه ، وقطْع حبل التحكيم بين العبارات ، فصاحبت التحية أقلها وقعاً وأعظمها موقعاً في نفس الطالب . . .
- طابت ليلتك ، هذه استمارة أعدتها إحدى الباحثات لنيل درجة عليا في دراسة ميدانية ... ستجد المضمون في الصفحة الأولى ، فلو تكرمت أن ترش على فراغاتها حبر قلمك ، وغداً - إن شاء الله - في مثل هذا الوقت سآتيك في طلبها .
- سيحصل خير - إن شاء الله - .
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
- حياك الله . .
لم يظهر لك في هذا ( الحويّر ) الصغير أي معنى للاهتمام فهو لم يطل ، فطالب العلم وقته ضيق جداً عن إضافة حرف واحد على مثل هذه العبارات ، وضيق عن الاستماع لحرف واحد زائد عما سلف ، مع تمني لوأن العبارات كلنت أقل من تلك ، ولاحظ بدقة في ( مع تمني ) لم أقل : ( مع رجاء ) ؛ لأن التمني طلب حصول المستحيل . . .
لم أكد أنتهي من نطق الهاء الساكنة ( وبركاتهْ ) حتى سمعت صوت الباب وهو مغلق ، وكأن جوارحي انقلبت مسامع تأثرت طبولها من شدة وقع هذا الصوت بالرغم من لطفه ، لكن أخّر هذا الاحساسَ شعوري الغامر بالأمل وحسن ظني بالمستلم . .
* * *
لم أكن متوقعاً صورة تلك الابتسامة المصطنعة المصاحبة للاعتذارات الساخنة بألفاظها السوداء والرمادية المصبوغة بالبياض التقليدي ، والذي سرعان ما ينمحي هذا البياض إذا ناله شيء من لعاب لسان الملقي . . .
-( وفي خجل متكلّف ) : المعذرة ، ضاق عني وقتي على انجاز هذا العمل ، المعذرة . . . المعذرة . . .
-لا داعي لمزيد من الاعتذار ؛ فقد وقع في حيز القبول لدي ، لكن طلبها العميد مني اليوم .
-لكني لم . . . . . . . . . .
-ما يحتاج . . ائتني بها الآن ، مع التي تسلمها من معك في الجناح .
-حسناً ، سآتيك بها فوراً . .
فانطلق وكأن الجبل الذي زرعته على عضده قد آن تصويحه وذبوله ، وبعد وقوف طالت مدته ، قدّم الاستمارة كما أخذها - مذ أكثر من أسبوع - واعتذر عن من معه في الجناح عن فقدان بقية الاستمارات . . وعليكم أن تتخيلوا موقفي أمام هذا الـ . . . ( طالب علم ) وقد طارت بيني وبينه عصافير ( الأمانة ) و ( الشمول الأخلاقي ) و( التكامل القيمي ) ، وهيضت أجنحة بلابل ( حسن الظن ) وأصاب الأملَ ( موت الفجأة ) وسطّرت ريشة حالي في قرطاس موقفي :
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه
قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
حقاً . . كلمة . . ( طالب علم ) عظيمة جداً ، حروفها ثقيلة ، كل حرف على حدة له وقعٌ غليظ في الروح ، فالطاء ترمز إلى الطود ، والألف الممدودة ترمز إلى الأمانة ، واللام ترمز إلى لهب الصبر ، والباء ترمز إلى بلوغ مرتبة الكمال الأخلاقي . (( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً )) .
وعليكم أن تردوا كل حرف إلى رمزه مما تركناه لكم . .
** ** **
أبو نجيب عبد المنعم حسن
طلب مني من قِبل عميد شؤون الطلاب بالجامعة الإسلامية بالمدينة توزيع استمارات على الطلاب لباحثة من أقاربه في إحدى كليات البنات التابعة لوزارة التربية لإتمام دراسة ميدانية موضوعها : الاهتمام بالشباب المواطن . .
فمبادرة مني وافقت على هذا الطلب - ولا تغفلوا عن مثولي أمام الأمر الواقع - واستلمت مظروف الاستمارات راكباً صهوة جد ونشاط ، وبدأت ألم جيوش أفكاري في كيفية انجاز المهمة - بالرغم من سهولتها - فأشار علي عقلي بعد جلسة عقدها في قاعة الأفكار أن أدفعها للطلبة الساكنين معي في سكن الجامعة لقربهم مني وتوفر سويعات الفراغ لديهم . .
وفعلاً بدأت أتحرك بتحكم شديد من حسن الظن بهم موصولِ الأسلاك بكهرباء الأمل النافذ حتى وقفت على أول باب وفي يميني الاستمارات وفي شمالي طرقات الباب الرقيقة ، والعبارات تعرض عضلاتها في مخيلتي ، كل منها ترجو مصاحبة التحية وتسليم الاستمارة ، وما زلت أحكم بينها حتى فاجأني صاحب الباب بإزالة الحجاب بيني وبينه ، وقطْع حبل التحكيم بين العبارات ، فصاحبت التحية أقلها وقعاً وأعظمها موقعاً في نفس الطالب . . .
- طابت ليلتك ، هذه استمارة أعدتها إحدى الباحثات لنيل درجة عليا في دراسة ميدانية ... ستجد المضمون في الصفحة الأولى ، فلو تكرمت أن ترش على فراغاتها حبر قلمك ، وغداً - إن شاء الله - في مثل هذا الوقت سآتيك في طلبها .
- سيحصل خير - إن شاء الله - .
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
- حياك الله . .
لم يظهر لك في هذا ( الحويّر ) الصغير أي معنى للاهتمام فهو لم يطل ، فطالب العلم وقته ضيق جداً عن إضافة حرف واحد على مثل هذه العبارات ، وضيق عن الاستماع لحرف واحد زائد عما سلف ، مع تمني لوأن العبارات كلنت أقل من تلك ، ولاحظ بدقة في ( مع تمني ) لم أقل : ( مع رجاء ) ؛ لأن التمني طلب حصول المستحيل . . .
لم أكد أنتهي من نطق الهاء الساكنة ( وبركاتهْ ) حتى سمعت صوت الباب وهو مغلق ، وكأن جوارحي انقلبت مسامع تأثرت طبولها من شدة وقع هذا الصوت بالرغم من لطفه ، لكن أخّر هذا الاحساسَ شعوري الغامر بالأمل وحسن ظني بالمستلم . .
* * *
لم أكن متوقعاً صورة تلك الابتسامة المصطنعة المصاحبة للاعتذارات الساخنة بألفاظها السوداء والرمادية المصبوغة بالبياض التقليدي ، والذي سرعان ما ينمحي هذا البياض إذا ناله شيء من لعاب لسان الملقي . . .
-( وفي خجل متكلّف ) : المعذرة ، ضاق عني وقتي على انجاز هذا العمل ، المعذرة . . . المعذرة . . .
-لا داعي لمزيد من الاعتذار ؛ فقد وقع في حيز القبول لدي ، لكن طلبها العميد مني اليوم .
-لكني لم . . . . . . . . . .
-ما يحتاج . . ائتني بها الآن ، مع التي تسلمها من معك في الجناح .
-حسناً ، سآتيك بها فوراً . .
فانطلق وكأن الجبل الذي زرعته على عضده قد آن تصويحه وذبوله ، وبعد وقوف طالت مدته ، قدّم الاستمارة كما أخذها - مذ أكثر من أسبوع - واعتذر عن من معه في الجناح عن فقدان بقية الاستمارات . . وعليكم أن تتخيلوا موقفي أمام هذا الـ . . . ( طالب علم ) وقد طارت بيني وبينه عصافير ( الأمانة ) و ( الشمول الأخلاقي ) و( التكامل القيمي ) ، وهيضت أجنحة بلابل ( حسن الظن ) وأصاب الأملَ ( موت الفجأة ) وسطّرت ريشة حالي في قرطاس موقفي :
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه
قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
حقاً . . كلمة . . ( طالب علم ) عظيمة جداً ، حروفها ثقيلة ، كل حرف على حدة له وقعٌ غليظ في الروح ، فالطاء ترمز إلى الطود ، والألف الممدودة ترمز إلى الأمانة ، واللام ترمز إلى لهب الصبر ، والباء ترمز إلى بلوغ مرتبة الكمال الأخلاقي . (( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً )) .
وعليكم أن تردوا كل حرف إلى رمزه مما تركناه لكم . .
** ** **