عبدالله القاضي
02 Jan 2008, 09:32 AM
اختلف الفقهاء في حكم طهارة الخمر، واختلفوا على مذهبين:
المذهب الأول
: هو مذهب جمهور العلماء من أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم ومعهم الظاهرية أيضا إلا داود فإن ابن حزم أيضا من القائلين بنجاسة عين الخمر. والمذهب الثاني:
هو مذهب ربيعة بن عبد الرحمن المسمى بربيعة الرأي شيخ الإمام مالك عليه رحمة الله، والمزني من أصحاب الشافعي، وبعض المتأخرين مع داود الظاهري، فمن المتأخرين الذين قالوا بذلك: الإمام الشوكاني، وصديق حسن خان، والصنعاني، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى لابن حزم مال هؤلاء جميعا إلى القول بعدم نجاسة الخمر نجاسة عينية، أي أنهم قالوا بطهارة الخمر
.
فما هي أدلة الفريقين؟
ولعل هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين المتأخرين قويا وطويلا وكثيرا ورجح بعض الفقهاء المعاصرين طهارة الخمر على خلاف ما ترجح عند جماهير العلماء من المتقدمين.
قبل أن ندخل إلى ذكر الأدلة والترجيح لأن هذه المسألة تترتب عليها مسائل، القول بنجاسة الخمر نجاسة حسية يترتب عليها مسائل، وكثيرا ما نُسأل عن حكم العطور الكحولية التي يدخل في تركيبها مادة الخمر.
أحب في البداية أن أنقل لكم بعض كلمات من مذاهب الأئمة الأربعة:
فعند الحنفية قال ابن عابدين -رحمه الله تعالى-: وهي -يعني الخمر- نجسة بنجاسة مغلظة كالبول ويكفر مستحلها -يعني الخمر-.
ومذهب المالكية يقول فيه ابن رشد: فكل مسكر من أي نوع كان من الأنبذة والأشربة محرم العين نجس الذات لأن الله تعالى سمى الخمر رجسا كما سمى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجسا.
ومذهب الشافعية كما نقله النووي -رحمه الله- قال: الخمر نجسة عندنا.
ونقل الشيخ أبو حامد يعني الإسفراييني نقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها.
ومذهب الحنابلة يمثله الإمام البهوتي -رحمه الله- فيقول المسكر نجس خمرا كان أو نبيذا.
وابن قدامة من الحنابلة -رحمه الله تعالى- يقول: والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم وجمهور الفقهاء لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام نجس.
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- له مقولة أيضا في هذا نحب أن نذكرها حيث يقول: والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل المسكر منها فقد كفر -يعني الحشيش- بل هي في أصح قولي العلماء نجسة -ما هي؟ لا يزال الكلام عن الحشيشة المسكرة- بل هو في أصح قولي العلماء نجسة كالخمر، فالخمر كالبول، والحشيشة كالعذرة.
هذا نص كلامه -رحمه الله تعالى-.
بم استدل الجمهور؟
استدلوا أول ما استدلوا بكتاب الله -تبارك وتعالى- وبقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90]؛ وجه الدلالة من هذا: أن الله -تبارك وتعالى- سمى الخمر رجسا، والرجس في اللغة وفي لسان الشرع: يطلق على النجس، والنجس محرم ولا يضرنا اقتران الميسر والأنصاب والأزلام بالخمر في القول بنجاسة الخمر، لأن هذا الاقتران لا يدل على عدم نجاسة الخمر ولا يدل على نجاسة هذه الأشياء التي اقترنت بها، لأنها خرجت بالإجماع، خرجت عن حكم التنجيس بالإجماع، لأنه وقع الإجماع على طهارة الميسر والأنصاب والأزلام وكل ما يستعمل في هذه الأشياء تقع هذه الأشياء جميعا طاهرة باتفاق العلماء ولا يضرنا، يبقى الخمر على الأصل وهو نجس وهذه الثلاثة خرجت بالإجماع.
الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- يقول في تفسيره يفهم من هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ ﴾؛ أن الخمر نجس العين لأن الله تعالى قال إنها رجس والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس، وقيل: إن أصله من الركس وهو العذرة والنتن والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما جيء له بروثة حمار قال إنها ركس بالكاف.
واستدلوا أيضا بقول الله تعالى: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [الإنسان: 21]؛ وهذا في سياق الإمتنان على أهل الجنة بطهورية خمرها فالله -تبارك وتعالى- وصف شراب أهل الجنة من الخمر بأنها طاهرة وطهور، وهذا يدل بمفهوم المخالفة على أن خمر الدنيا ماذا؟
نجسة
أن خمر الدنيا تكون نجسة بمفهوم المخالفة، وأنت ترى هذا، فالله -عز وجل- ذكر أوصاف خمر الدنيا فذكر أن أهلها يصدعون منها وأما أهل الجنة في شرابهم فلهم شراب ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴾ [الصافات: 47]؛ فهذا الشراب الطاهر المبارك في الجنة يخالف هذا الشرب الذي وصف بقول الله تعالى: ﴿ لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ ﴾ [الواقعة: 19].
إذن هذا كله منفي في الجنة، وهذا يدل بمفهوم المخالفة أنه واقع في الدنيا، وعليه فإن شراب أهل الدنيا لا يكون طاهرا ولا طهورا.
ثم من السنة النبوية حديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله تعالى عنه- أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر)؛ ثم جاء السؤال: كيف يصنعون بهذه الآنية وهذه القدور إذا وقعت في أيديهم؟
فقال النبي: إذا وجدتم غيرها فكلوا منها واشربوا -أي غير هذه الآنية- وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء يعني اغسلوها بالماء وكلوا واشربوا. فأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بغسل هذه الآنية بالماء قبل استعمالها وهذا يدل على تنجس هذه الآنية بما خالطها.
وفي رواية: عند أحمد أنه قال يا نبي الله إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف أصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال لا: لا أي لا تفعلوا إن لم تجدوا غيرها فأمرهم -صلى الله عليه وسلم- بأن يرحضوها يرحضوها يعني يغسلوها بالماء فقال فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا يعني استعملوا القدور والآنية دل هذا أيضا على تنجس هذه الآنية بما يخالطها من طعام أهل الكتاب الذي يطبخون فيه الخنزير وشرابهم الذي يشربون منه ومعه الخمر.
ثم إن عمر -رضي الله تعالى عنه- بلغه أن خالدا بن والوليد استعمل شيئا في بلد من البلاد التي فتحها خالد فيه شيء يعجن بالخمر ثم يدلك به الجسم فلما بلغ ذلك الفاروق -رضي الله تعالى عنه- كتب إليه فقال: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الإثم وباطنه ثم قال فلا تمسوها أجسادكم، فلا تمسوا أجسادكم بشيء من هذه الخمر فإنها نجسة، فإذا فعلتم فلا تعودوا.
فإنها نجسة وفيها تصريح أو فيها فتوى عمر -رضي الله تعالى عنه- بنجاسة الخمر نجاسة حسية، نجاسة أعيان.
ومن الأدلة التي يستدل بها من المعقول: أن هذه الخمر يعني حكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها لأن الله -تبارك وتعالى- قال: ﴿فَاجْتَنِبُوه﴾؛ والاجتناب فيه المبالغة في الترك وهذا يقتضي التحريم.
استدل القائلون بطهارتها بأدلة منها:
ما استدل به سعيد بن الحداد القروي أنه قال: إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- علم أن الصحابة لما بلغهم تحريم هذه الخمر أراقوها في سكك المدينة فجرت في سكك المدينة، ولو كانت نجسة لما جاز لهم أن يلوثوا الطرق بالنجاسة، ولنهاهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن هذا الفعل كما نهاهم عن التخلي في الطرقات.
الأمر الثاني: أنهم قالوا لا شك إن الخمر محرمة لكنه فرق بين التحريم وبيت التنجيس، والأدلة المسوقة تفيد حرمة الخمر لكنها لا تدل على نجاسة الخمر نجاسة حسية وإنما تدل على النجاسة المعنوية والنجاسة المعنوية موجودة في الميسر الأنصاب والأزلام وهي موجودة أيضا في الخمر فالخمر كالميسر والأنصاب والأزلام، النجاسة فيها نجاسة معنوية وليست نجاسة عينية أو نجاسة حسية.
ناقش الجمهور حجج المخالفين فقالوا:
إن إراقة الصحابة -رضي الله عنهم- للخمر في طرقات المدينة كان على سبيل التخلص منها حيث لم يكن في بيوتهم كنف يعني حمامات، وكانوا يستقذرون أن يتخذوا الكنف في البيوت فلم يكن لديهم مجاري يصرفون فيها الخمر ولا آبار ولا مسارب لتصب فيها هذه الخمور فلم يكن بد من إراقتها في الطرقات.
ثم إن الخمر لم تكن بالكثرة بحيث تمنع الناس من أن يسيروا في الطرقات يعني إن جرى بها طريق أو جرت بها طرق فإن هذا لا يعني أن الخمر استوعبت جميع طرقات المدينة، وإذا جرت في طريق فلا يعني أيضا إنها تجري في جميع الطريق بحيث يمتنع أن يسير في هذا الطريق إنسان.
هذا مما يرد به على قولهم إنهم قد نجسوا الطريق، وهذا يدل على طهارتها وأيضا إراقة الخمر في الطرقات فيه إشهار للتحريم ومعلوم أن العرب كانوا متعلقين بالخمر تعلقا شديدا فمبادرتهم إلى إراقتها -رضي الله تعالى عنهم- فيه تمام وكمال الامتثال إلى أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم إن إراقتها في التراب وفي الطرقات يكون سببا لزوال نجاستها وليس تنجيس الطرقات لأنها إذا خلطت التراب والشمس والهواء استحالت وتغيرت وتحولت إلى شيء طاهر لأن التراب بنفسه طهور وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- (أن ذيل المرأة إذا مر على نجاسة في طريق فإن مرورها على ذلك التراب الطاهر الذي يكون بعده يطهر هذه الذيل)؛ إذن لا يسلم لهم هذا الكلام.
لكن يبقى أنهم قالوا لو كان ذلك لنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نهى عن التخلي في الطرقات: أين التخلي في الطرقات من الكلام على نجاسة الخمر؟
إن التخلي في الطرقات لو لم ينه عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- لبقى إلى يوم الناس هذا لأنه سيقع وسيظل يقع، أما الخمر فإنها كانت متخذة في البيوت حين جاء التحريم ليقطع وجودها من البيوت، فإراقتها لمرة واحدة، بعدها لم يعلم أن هذه الخمر سارت تسكب أو تراق في الطرقات، فالنهي عن التخلي في طرق الناس وقضاء الحاجة في طرق الناس نهي لأمر قد يدوم ما لم يقع النهي ونهي لأمر يخل بالمروءة فكان من ذلك تحريمه -صلى الله عليه وآله وسلم-.
أيضا يبقى معنا أن نقول بأن الجمهور قالوا: إن الشريعة بالغت في كف الناس عن الخمور حيث منعت -ليس فقط من شربها- بل ومن بيعها وحملها وعصرها والتصرف فيها بكل أنواع التصرف بل وجعلت اللعنة مقترنة بهذه الأفعال وهذا يدل على تأكد نجاستها وعدم الانتفاع بها بحال، ولو كانت هذه الخمر في إرث أيتام فإنه يجب إراقتها وعدم الانتفاع بها ولا يجوز تخليلها على الراجح من قولي أهل العلم في هذه المسألة، فهذا كله يؤيد مسألة نجاستها.
وعندنا أن الشارع أباح الانتفاع بجلد الميتة وهو نجس باتفاق بعد دبغه، لكنه لم يبح الانتفاع بالخمر مطلقا.
وعندنا أيضا أن رجلا جاء يهدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- راوية خمر -ولم يكن يعلم بالتحريم- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أن الله تعالى حرم الخمر) فساره رجل كان جالسا بجواره (فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- بم ساررته؟) قال: أمرته أن يبيعها؛ فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (لا تشربها ولا تبعها ولا تنتفع به) فقام الرجل ففتح فم المزادة وأراقها والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ينظر، فهذا يدل على تمام عدم الانتفاع .
ثم إن الشريعة لما حرمت بيع الخمر كما في هذا الحديث هذه الأعيان التي حرم بيعها إنما تحرم لعلة من علتين: إما أنها لا ينتفع بها، وإما لنجاستها، والخمر ينتفع بها كما قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 219]؛ إذن الخمر مما ينتفع به بوجه من وجوه الانتفاع، إذن لم تحرم لأن لا نفع فيها، فبقي أنها حرمت لأجل النجاسة.
ثم تأمل معنا ما أجمع الفقهاء على نجاسته كالبول:
البول مثلا: نجس باتفاق ومع هذه لم يأت فيه أنه رجس وإنما جاء القول بالرجسية عند الكلام على الخمر، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نجاستها، والبول ونحوه لم تدل عليه نصوص قاطعة وإنما دلت عليه عمومات وظواهر أدلة أيدها الإجماع، فكيف وقد صرح في الخمر بأنها رجس؟ والرجس: في الحقيقة الشرعية يدل على النجس وبهذا جاء استعمال القرآن الكريم بالنص على نجاسة أشياء: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [الأنعام: 145]؛ أي رجس أي نجس فهذا كله يجعلنا نقول بنجاسة الخمر نجاسة عينية.
قال ابن حجر -رحمه الله-: والتمسك بعموم الأمر باجتنابها كاف في القول بنجاستها
.
وعلى هذا فإن الراجح من قولي أهل العلم في هذه المسألة التي كثر فيها الأخذ والرد والنقاش أن الخمر نجسة العين ولا يجوز أن يتضمخ الإنسان بنجاسة، ولا أن يضع النجاسة في ثوبه أو بدنه أو رقعته التي يصلي فيها، هذا هو الراجح وعليه الجماهير سلفا وخلفا،
والله تعالى أعلى وأعلم.
بحث تم نقله من شروح الشيخ محمد يسري لعمدة الأحكام باب البيوع وقفت علية وتحققت من صحتة .
عبدالله بن القاضي
المذهب الأول
: هو مذهب جمهور العلماء من أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم ومعهم الظاهرية أيضا إلا داود فإن ابن حزم أيضا من القائلين بنجاسة عين الخمر. والمذهب الثاني:
هو مذهب ربيعة بن عبد الرحمن المسمى بربيعة الرأي شيخ الإمام مالك عليه رحمة الله، والمزني من أصحاب الشافعي، وبعض المتأخرين مع داود الظاهري، فمن المتأخرين الذين قالوا بذلك: الإمام الشوكاني، وصديق حسن خان، والصنعاني، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى لابن حزم مال هؤلاء جميعا إلى القول بعدم نجاسة الخمر نجاسة عينية، أي أنهم قالوا بطهارة الخمر
.
فما هي أدلة الفريقين؟
ولعل هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين المتأخرين قويا وطويلا وكثيرا ورجح بعض الفقهاء المعاصرين طهارة الخمر على خلاف ما ترجح عند جماهير العلماء من المتقدمين.
قبل أن ندخل إلى ذكر الأدلة والترجيح لأن هذه المسألة تترتب عليها مسائل، القول بنجاسة الخمر نجاسة حسية يترتب عليها مسائل، وكثيرا ما نُسأل عن حكم العطور الكحولية التي يدخل في تركيبها مادة الخمر.
أحب في البداية أن أنقل لكم بعض كلمات من مذاهب الأئمة الأربعة:
فعند الحنفية قال ابن عابدين -رحمه الله تعالى-: وهي -يعني الخمر- نجسة بنجاسة مغلظة كالبول ويكفر مستحلها -يعني الخمر-.
ومذهب المالكية يقول فيه ابن رشد: فكل مسكر من أي نوع كان من الأنبذة والأشربة محرم العين نجس الذات لأن الله تعالى سمى الخمر رجسا كما سمى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجسا.
ومذهب الشافعية كما نقله النووي -رحمه الله- قال: الخمر نجسة عندنا.
ونقل الشيخ أبو حامد يعني الإسفراييني نقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها.
ومذهب الحنابلة يمثله الإمام البهوتي -رحمه الله- فيقول المسكر نجس خمرا كان أو نبيذا.
وابن قدامة من الحنابلة -رحمه الله تعالى- يقول: والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم وجمهور الفقهاء لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام نجس.
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- له مقولة أيضا في هذا نحب أن نذكرها حيث يقول: والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل المسكر منها فقد كفر -يعني الحشيش- بل هي في أصح قولي العلماء نجسة -ما هي؟ لا يزال الكلام عن الحشيشة المسكرة- بل هو في أصح قولي العلماء نجسة كالخمر، فالخمر كالبول، والحشيشة كالعذرة.
هذا نص كلامه -رحمه الله تعالى-.
بم استدل الجمهور؟
استدلوا أول ما استدلوا بكتاب الله -تبارك وتعالى- وبقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90]؛ وجه الدلالة من هذا: أن الله -تبارك وتعالى- سمى الخمر رجسا، والرجس في اللغة وفي لسان الشرع: يطلق على النجس، والنجس محرم ولا يضرنا اقتران الميسر والأنصاب والأزلام بالخمر في القول بنجاسة الخمر، لأن هذا الاقتران لا يدل على عدم نجاسة الخمر ولا يدل على نجاسة هذه الأشياء التي اقترنت بها، لأنها خرجت بالإجماع، خرجت عن حكم التنجيس بالإجماع، لأنه وقع الإجماع على طهارة الميسر والأنصاب والأزلام وكل ما يستعمل في هذه الأشياء تقع هذه الأشياء جميعا طاهرة باتفاق العلماء ولا يضرنا، يبقى الخمر على الأصل وهو نجس وهذه الثلاثة خرجت بالإجماع.
الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- يقول في تفسيره يفهم من هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ ﴾؛ أن الخمر نجس العين لأن الله تعالى قال إنها رجس والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس، وقيل: إن أصله من الركس وهو العذرة والنتن والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما جيء له بروثة حمار قال إنها ركس بالكاف.
واستدلوا أيضا بقول الله تعالى: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [الإنسان: 21]؛ وهذا في سياق الإمتنان على أهل الجنة بطهورية خمرها فالله -تبارك وتعالى- وصف شراب أهل الجنة من الخمر بأنها طاهرة وطهور، وهذا يدل بمفهوم المخالفة على أن خمر الدنيا ماذا؟
نجسة
أن خمر الدنيا تكون نجسة بمفهوم المخالفة، وأنت ترى هذا، فالله -عز وجل- ذكر أوصاف خمر الدنيا فذكر أن أهلها يصدعون منها وأما أهل الجنة في شرابهم فلهم شراب ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴾ [الصافات: 47]؛ فهذا الشراب الطاهر المبارك في الجنة يخالف هذا الشرب الذي وصف بقول الله تعالى: ﴿ لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ ﴾ [الواقعة: 19].
إذن هذا كله منفي في الجنة، وهذا يدل بمفهوم المخالفة أنه واقع في الدنيا، وعليه فإن شراب أهل الدنيا لا يكون طاهرا ولا طهورا.
ثم من السنة النبوية حديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله تعالى عنه- أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر)؛ ثم جاء السؤال: كيف يصنعون بهذه الآنية وهذه القدور إذا وقعت في أيديهم؟
فقال النبي: إذا وجدتم غيرها فكلوا منها واشربوا -أي غير هذه الآنية- وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء يعني اغسلوها بالماء وكلوا واشربوا. فأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بغسل هذه الآنية بالماء قبل استعمالها وهذا يدل على تنجس هذه الآنية بما خالطها.
وفي رواية: عند أحمد أنه قال يا نبي الله إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف أصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال لا: لا أي لا تفعلوا إن لم تجدوا غيرها فأمرهم -صلى الله عليه وسلم- بأن يرحضوها يرحضوها يعني يغسلوها بالماء فقال فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا يعني استعملوا القدور والآنية دل هذا أيضا على تنجس هذه الآنية بما يخالطها من طعام أهل الكتاب الذي يطبخون فيه الخنزير وشرابهم الذي يشربون منه ومعه الخمر.
ثم إن عمر -رضي الله تعالى عنه- بلغه أن خالدا بن والوليد استعمل شيئا في بلد من البلاد التي فتحها خالد فيه شيء يعجن بالخمر ثم يدلك به الجسم فلما بلغ ذلك الفاروق -رضي الله تعالى عنه- كتب إليه فقال: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الإثم وباطنه ثم قال فلا تمسوها أجسادكم، فلا تمسوا أجسادكم بشيء من هذه الخمر فإنها نجسة، فإذا فعلتم فلا تعودوا.
فإنها نجسة وفيها تصريح أو فيها فتوى عمر -رضي الله تعالى عنه- بنجاسة الخمر نجاسة حسية، نجاسة أعيان.
ومن الأدلة التي يستدل بها من المعقول: أن هذه الخمر يعني حكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها لأن الله -تبارك وتعالى- قال: ﴿فَاجْتَنِبُوه﴾؛ والاجتناب فيه المبالغة في الترك وهذا يقتضي التحريم.
استدل القائلون بطهارتها بأدلة منها:
ما استدل به سعيد بن الحداد القروي أنه قال: إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- علم أن الصحابة لما بلغهم تحريم هذه الخمر أراقوها في سكك المدينة فجرت في سكك المدينة، ولو كانت نجسة لما جاز لهم أن يلوثوا الطرق بالنجاسة، ولنهاهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن هذا الفعل كما نهاهم عن التخلي في الطرقات.
الأمر الثاني: أنهم قالوا لا شك إن الخمر محرمة لكنه فرق بين التحريم وبيت التنجيس، والأدلة المسوقة تفيد حرمة الخمر لكنها لا تدل على نجاسة الخمر نجاسة حسية وإنما تدل على النجاسة المعنوية والنجاسة المعنوية موجودة في الميسر الأنصاب والأزلام وهي موجودة أيضا في الخمر فالخمر كالميسر والأنصاب والأزلام، النجاسة فيها نجاسة معنوية وليست نجاسة عينية أو نجاسة حسية.
ناقش الجمهور حجج المخالفين فقالوا:
إن إراقة الصحابة -رضي الله عنهم- للخمر في طرقات المدينة كان على سبيل التخلص منها حيث لم يكن في بيوتهم كنف يعني حمامات، وكانوا يستقذرون أن يتخذوا الكنف في البيوت فلم يكن لديهم مجاري يصرفون فيها الخمر ولا آبار ولا مسارب لتصب فيها هذه الخمور فلم يكن بد من إراقتها في الطرقات.
ثم إن الخمر لم تكن بالكثرة بحيث تمنع الناس من أن يسيروا في الطرقات يعني إن جرى بها طريق أو جرت بها طرق فإن هذا لا يعني أن الخمر استوعبت جميع طرقات المدينة، وإذا جرت في طريق فلا يعني أيضا إنها تجري في جميع الطريق بحيث يمتنع أن يسير في هذا الطريق إنسان.
هذا مما يرد به على قولهم إنهم قد نجسوا الطريق، وهذا يدل على طهارتها وأيضا إراقة الخمر في الطرقات فيه إشهار للتحريم ومعلوم أن العرب كانوا متعلقين بالخمر تعلقا شديدا فمبادرتهم إلى إراقتها -رضي الله تعالى عنهم- فيه تمام وكمال الامتثال إلى أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم إن إراقتها في التراب وفي الطرقات يكون سببا لزوال نجاستها وليس تنجيس الطرقات لأنها إذا خلطت التراب والشمس والهواء استحالت وتغيرت وتحولت إلى شيء طاهر لأن التراب بنفسه طهور وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- (أن ذيل المرأة إذا مر على نجاسة في طريق فإن مرورها على ذلك التراب الطاهر الذي يكون بعده يطهر هذه الذيل)؛ إذن لا يسلم لهم هذا الكلام.
لكن يبقى أنهم قالوا لو كان ذلك لنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نهى عن التخلي في الطرقات: أين التخلي في الطرقات من الكلام على نجاسة الخمر؟
إن التخلي في الطرقات لو لم ينه عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- لبقى إلى يوم الناس هذا لأنه سيقع وسيظل يقع، أما الخمر فإنها كانت متخذة في البيوت حين جاء التحريم ليقطع وجودها من البيوت، فإراقتها لمرة واحدة، بعدها لم يعلم أن هذه الخمر سارت تسكب أو تراق في الطرقات، فالنهي عن التخلي في طرق الناس وقضاء الحاجة في طرق الناس نهي لأمر قد يدوم ما لم يقع النهي ونهي لأمر يخل بالمروءة فكان من ذلك تحريمه -صلى الله عليه وآله وسلم-.
أيضا يبقى معنا أن نقول بأن الجمهور قالوا: إن الشريعة بالغت في كف الناس عن الخمور حيث منعت -ليس فقط من شربها- بل ومن بيعها وحملها وعصرها والتصرف فيها بكل أنواع التصرف بل وجعلت اللعنة مقترنة بهذه الأفعال وهذا يدل على تأكد نجاستها وعدم الانتفاع بها بحال، ولو كانت هذه الخمر في إرث أيتام فإنه يجب إراقتها وعدم الانتفاع بها ولا يجوز تخليلها على الراجح من قولي أهل العلم في هذه المسألة، فهذا كله يؤيد مسألة نجاستها.
وعندنا أن الشارع أباح الانتفاع بجلد الميتة وهو نجس باتفاق بعد دبغه، لكنه لم يبح الانتفاع بالخمر مطلقا.
وعندنا أيضا أن رجلا جاء يهدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- راوية خمر -ولم يكن يعلم بالتحريم- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أن الله تعالى حرم الخمر) فساره رجل كان جالسا بجواره (فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- بم ساررته؟) قال: أمرته أن يبيعها؛ فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (لا تشربها ولا تبعها ولا تنتفع به) فقام الرجل ففتح فم المزادة وأراقها والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ينظر، فهذا يدل على تمام عدم الانتفاع .
ثم إن الشريعة لما حرمت بيع الخمر كما في هذا الحديث هذه الأعيان التي حرم بيعها إنما تحرم لعلة من علتين: إما أنها لا ينتفع بها، وإما لنجاستها، والخمر ينتفع بها كما قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 219]؛ إذن الخمر مما ينتفع به بوجه من وجوه الانتفاع، إذن لم تحرم لأن لا نفع فيها، فبقي أنها حرمت لأجل النجاسة.
ثم تأمل معنا ما أجمع الفقهاء على نجاسته كالبول:
البول مثلا: نجس باتفاق ومع هذه لم يأت فيه أنه رجس وإنما جاء القول بالرجسية عند الكلام على الخمر، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نجاستها، والبول ونحوه لم تدل عليه نصوص قاطعة وإنما دلت عليه عمومات وظواهر أدلة أيدها الإجماع، فكيف وقد صرح في الخمر بأنها رجس؟ والرجس: في الحقيقة الشرعية يدل على النجس وبهذا جاء استعمال القرآن الكريم بالنص على نجاسة أشياء: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [الأنعام: 145]؛ أي رجس أي نجس فهذا كله يجعلنا نقول بنجاسة الخمر نجاسة عينية.
قال ابن حجر -رحمه الله-: والتمسك بعموم الأمر باجتنابها كاف في القول بنجاستها
.
وعلى هذا فإن الراجح من قولي أهل العلم في هذه المسألة التي كثر فيها الأخذ والرد والنقاش أن الخمر نجسة العين ولا يجوز أن يتضمخ الإنسان بنجاسة، ولا أن يضع النجاسة في ثوبه أو بدنه أو رقعته التي يصلي فيها، هذا هو الراجح وعليه الجماهير سلفا وخلفا،
والله تعالى أعلى وأعلم.
بحث تم نقله من شروح الشيخ محمد يسري لعمدة الأحكام باب البيوع وقفت علية وتحققت من صحتة .
عبدالله بن القاضي