مكاوي
05 Jul 2007, 11:01 PM
لا بد لمن عرض للاقتباس غالباً أن يتناول القول في حكمه، وقد رأينا كثيراً من المصنفات البلاغية لم تخل من بيان ذلك الحكم والاستدلال عليه.والذي عليه جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية:
جواز الاقتباس من القرآن في النثر، وقد نقل الاتفاق على هذا الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته -رفع الباس- وحشد له الأدلة، وساق النصوص من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة حتى عصره، وقال في حاشيته على تفسير البيضاوي: -فإن قلت: نرى في هذا الزمان قوماً يستنكرون ذلك - أي الاقتباس - ويقولون: ألفاظ القرآن لا تستعمل في غيره، قلت: إنما استنكره هؤلاء جهلاً منهم بالنصوص والقول، فقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث، والصحابة والتابعون والعلماء قديماً وحديثاً، ونصوا في كتب الفقه على جوازه-. - ومن الأدلة على جواز الاقتباس من القرآن قوله صلى الله عليه وسلم حين دخل خيبر: (الله أكبر، خربت خيبر: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)-، فاقتبس صلى الله عليه وسلم من قول الله عز وجل): -فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين( -الصافات:771-. قال السيوطي عند هذا الحديث: إنه من أدلة جواز الاقتباس من القرآن، وهي كثيرة لا تحصى، ونظائر الاقتباس في الأخبار كثيرة، ولا عبرة لقول من كرهه-.
وإذا جاز الاقتباس من القرآن في النثر فمن الحديث النبوي من باب أولى، لأن الحديث تصح روايته بالمعنى على الصحيح، -وهو الذي تشهد به أحوال الصحابة رضي الله عنهم والسلف الأولين- كما يقول ابن الصلاح.
ذلك هو حكم الاقتباس من القرآن والحديث في الكلام المنثور، وهو كما ترى جائز بلا خلاف.
- أما الاقتباس في الشعر
فالذي عليه أكثر العلماء: الجواز، وكره ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني والنووي فيما روي عنه، ويبدو أن كراهتهما باعثها الورع والتأدب مع القرآن والحديث، كما أشار إلى هذا المعنى السُبكيّان بهاء الدين وأخوه تاج الدين.
لقد فرّق الباقلاني والنووي بين الاقتباس في النثر والشعر، وذلك أنهما رأيا أن الله عز وجل نزه القرآن عن أن يكون شعراً، ونفى عن نبيه صلى الله عليه وسلم قول الشعر، فقال عز وجل: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) -يس:96- وقال سبحانه: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) الحاقة:14-، فليس من اللائق بعدئذ أن يُنظم شيء من القرآن أو الحديث في سياق الشعر، فينسب هذا إلى الله أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على أنه من كلامهما.
قلت: والحق الذي يجب المصير إليه ما ذهب إليه الأكثرون من جواز الاقتباس في النظم، لعدم الدليل المانع من ذلك. ثم إن القول بمنع الاقتباس في الشعر موجب للتفريق بين النثر والشعر، وهما سواء، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: -الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام-، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن الشاعر في الاقتباس لا يصرح بأن المقتبس هو عين كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، أي لا يقول: قال الله أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نحو ذلك، فيقال: إنه قد جعل نص القرآن أو الحديث شعراً، ولكن المقتبس يورد ذلك على أنه من كلامه هو، وإذا كان الاقتباس تضمين الكلام جملة أو أكثر توافق عبارة القرآن أو الحديث وليست منهما حقيقة، فإنه يسوغ للشاعر تغيير ما اقتبسه بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو تعريف أو تنكير، أو إبدال للظاهر من المضمر أو العكس، إلى غير ذلك مما يبتغيه الوزن من غير نكير.
ومع أن البلاغيين يصرحون أن المقتبس ليس قرآناً ولا حديثاً، بل هو من قبيل الموافقة أو المشابهة، فإن كثيراً من العلماء استحبوا أن يقع الاقتباس في الشعر العف، الشريف الغرض، النظيف المعاني، وكرهوا أن يكون الشعر المقتبس فيه من القرآن والسنة مما جرى في أودية السخف والهزل والغزل والمجون، ونحو ذلك من المقامات السيئة، لما يتبادر إلى الذهن من أن هذه في الأصل ألفاظ قرآنية وجمل نبوية، فكيف وقعت في ذلك السياق السيئ أو الخادش للحياء.
ما يحرم اقتباسه من القرآن والحديث
إن في القرآن والحديث أشياء لا يجوز اقتباسها أبداً في شعر ولا نثر، فمن ذلك: ما أضافه الله إلى نفسه مما تكلم به سبحانه وتعالى، فلا يحل لأحد أن يضيف إلى نفسه ما أضافه الله إلى نفسه المقدسة، كقوله سبحانه مخاطباً موسى عليه السلام: (إني أنا ربك فاخلع نعليك) -طه:21- وقوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) -طه:41- وقوله تعالى: (بلى ورسلنا لديهم يكتبون)-الزخرف:08- فهذا لا يجوز اقتباسه أبداً.
ومما يحرم اقتباسه: ما أقسم الله به من مخلوقه، فإذا اقتبس هذا صار من كلام المقتبس نفسه فيكون قسماً منه بغير الله، وهو شرك .
ومن الاقتباس المحرم ما يتبادر إلى السامع أنه القرآن مع تغيير بعض الكلمات، كقول أحد الكتّاب: "والنجم إذا هوى، ما ضل يراعك وما غوى، علمه شديد القوى، ذو مرَّة فاستوى.."!!
إرسال المثل من القرآن والسنة.
إن في القرآن والسنة آيات وأحاديث فيها حكمة وبلاغة، وإيجاز في اللفظ، يضعها الناس في كلامهم موضع الأمثال، لرشاقتها وإيجازها وحسن مدلولها وجريانها مجرى الأمثال.
فيُتمثل بذلك النوع من الآيات والأحاديث في الوقائع وفي المقامات التي يكون بينها وبين ما تضمنته تلك الآيات والأحاديث تناسب، ويسمى هذا: -إرسال المثل-، وهو أحد الفنون البديعية، وهو غير الأمثال الصريحة التي تصدر بلفظ -مثل- أو -مثلهم-، ونحو ذلك.
ومما يجري مجرى المثل من القرآن قوله تعالى: (إن الباطل كان زهوقاً) -الإسراء:18-، وقوله سبحانه: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) -فاطر:34-، وقوله عز وجل: (ولا يُنبئك مثل خبير) -فاطر:41- وقوله سبحانه: (لكم دينكم ولي دين)الكافرون:6- في مقام المتاركة.
والتمثل بالقرآن شعبة من الاقتباس ونوع منه، وهو جائز، بل قد استحسنه العلماء إذا وقع في موضعه المناسب، لما فيه من جمال التعبير وجلال الأداء، وإصابة الغرض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: -إن تلا الآية عند الحكم الذي أنزلت له أو ما يناسبه من الأحكام فحسن. ومن هذا الباب ما بينه الفقهاء من الأحكام الثابتة بالقياس، وما يتكلم فيه المشايخ والوعاظ، فلو دعي الرجل إلى معصية قد تاب منها فقال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) -الأعراف:98- وكذا لو قال - عند همه وحزنه -: (إنما أشكو بثى وحزني إلى الله) -يوسف:68- ونحو ذلك كان حسناً-.
جواز الاقتباس من القرآن في النثر، وقد نقل الاتفاق على هذا الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته -رفع الباس- وحشد له الأدلة، وساق النصوص من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة حتى عصره، وقال في حاشيته على تفسير البيضاوي: -فإن قلت: نرى في هذا الزمان قوماً يستنكرون ذلك - أي الاقتباس - ويقولون: ألفاظ القرآن لا تستعمل في غيره، قلت: إنما استنكره هؤلاء جهلاً منهم بالنصوص والقول، فقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث، والصحابة والتابعون والعلماء قديماً وحديثاً، ونصوا في كتب الفقه على جوازه-. - ومن الأدلة على جواز الاقتباس من القرآن قوله صلى الله عليه وسلم حين دخل خيبر: (الله أكبر، خربت خيبر: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)-، فاقتبس صلى الله عليه وسلم من قول الله عز وجل): -فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين( -الصافات:771-. قال السيوطي عند هذا الحديث: إنه من أدلة جواز الاقتباس من القرآن، وهي كثيرة لا تحصى، ونظائر الاقتباس في الأخبار كثيرة، ولا عبرة لقول من كرهه-.
وإذا جاز الاقتباس من القرآن في النثر فمن الحديث النبوي من باب أولى، لأن الحديث تصح روايته بالمعنى على الصحيح، -وهو الذي تشهد به أحوال الصحابة رضي الله عنهم والسلف الأولين- كما يقول ابن الصلاح.
ذلك هو حكم الاقتباس من القرآن والحديث في الكلام المنثور، وهو كما ترى جائز بلا خلاف.
- أما الاقتباس في الشعر
فالذي عليه أكثر العلماء: الجواز، وكره ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني والنووي فيما روي عنه، ويبدو أن كراهتهما باعثها الورع والتأدب مع القرآن والحديث، كما أشار إلى هذا المعنى السُبكيّان بهاء الدين وأخوه تاج الدين.
لقد فرّق الباقلاني والنووي بين الاقتباس في النثر والشعر، وذلك أنهما رأيا أن الله عز وجل نزه القرآن عن أن يكون شعراً، ونفى عن نبيه صلى الله عليه وسلم قول الشعر، فقال عز وجل: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) -يس:96- وقال سبحانه: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) الحاقة:14-، فليس من اللائق بعدئذ أن يُنظم شيء من القرآن أو الحديث في سياق الشعر، فينسب هذا إلى الله أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على أنه من كلامهما.
قلت: والحق الذي يجب المصير إليه ما ذهب إليه الأكثرون من جواز الاقتباس في النظم، لعدم الدليل المانع من ذلك. ثم إن القول بمنع الاقتباس في الشعر موجب للتفريق بين النثر والشعر، وهما سواء، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: -الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام-، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن الشاعر في الاقتباس لا يصرح بأن المقتبس هو عين كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، أي لا يقول: قال الله أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نحو ذلك، فيقال: إنه قد جعل نص القرآن أو الحديث شعراً، ولكن المقتبس يورد ذلك على أنه من كلامه هو، وإذا كان الاقتباس تضمين الكلام جملة أو أكثر توافق عبارة القرآن أو الحديث وليست منهما حقيقة، فإنه يسوغ للشاعر تغيير ما اقتبسه بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو تعريف أو تنكير، أو إبدال للظاهر من المضمر أو العكس، إلى غير ذلك مما يبتغيه الوزن من غير نكير.
ومع أن البلاغيين يصرحون أن المقتبس ليس قرآناً ولا حديثاً، بل هو من قبيل الموافقة أو المشابهة، فإن كثيراً من العلماء استحبوا أن يقع الاقتباس في الشعر العف، الشريف الغرض، النظيف المعاني، وكرهوا أن يكون الشعر المقتبس فيه من القرآن والسنة مما جرى في أودية السخف والهزل والغزل والمجون، ونحو ذلك من المقامات السيئة، لما يتبادر إلى الذهن من أن هذه في الأصل ألفاظ قرآنية وجمل نبوية، فكيف وقعت في ذلك السياق السيئ أو الخادش للحياء.
ما يحرم اقتباسه من القرآن والحديث
إن في القرآن والحديث أشياء لا يجوز اقتباسها أبداً في شعر ولا نثر، فمن ذلك: ما أضافه الله إلى نفسه مما تكلم به سبحانه وتعالى، فلا يحل لأحد أن يضيف إلى نفسه ما أضافه الله إلى نفسه المقدسة، كقوله سبحانه مخاطباً موسى عليه السلام: (إني أنا ربك فاخلع نعليك) -طه:21- وقوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) -طه:41- وقوله تعالى: (بلى ورسلنا لديهم يكتبون)-الزخرف:08- فهذا لا يجوز اقتباسه أبداً.
ومما يحرم اقتباسه: ما أقسم الله به من مخلوقه، فإذا اقتبس هذا صار من كلام المقتبس نفسه فيكون قسماً منه بغير الله، وهو شرك .
ومن الاقتباس المحرم ما يتبادر إلى السامع أنه القرآن مع تغيير بعض الكلمات، كقول أحد الكتّاب: "والنجم إذا هوى، ما ضل يراعك وما غوى، علمه شديد القوى، ذو مرَّة فاستوى.."!!
إرسال المثل من القرآن والسنة.
إن في القرآن والسنة آيات وأحاديث فيها حكمة وبلاغة، وإيجاز في اللفظ، يضعها الناس في كلامهم موضع الأمثال، لرشاقتها وإيجازها وحسن مدلولها وجريانها مجرى الأمثال.
فيُتمثل بذلك النوع من الآيات والأحاديث في الوقائع وفي المقامات التي يكون بينها وبين ما تضمنته تلك الآيات والأحاديث تناسب، ويسمى هذا: -إرسال المثل-، وهو أحد الفنون البديعية، وهو غير الأمثال الصريحة التي تصدر بلفظ -مثل- أو -مثلهم-، ونحو ذلك.
ومما يجري مجرى المثل من القرآن قوله تعالى: (إن الباطل كان زهوقاً) -الإسراء:18-، وقوله سبحانه: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) -فاطر:34-، وقوله عز وجل: (ولا يُنبئك مثل خبير) -فاطر:41- وقوله سبحانه: (لكم دينكم ولي دين)الكافرون:6- في مقام المتاركة.
والتمثل بالقرآن شعبة من الاقتباس ونوع منه، وهو جائز، بل قد استحسنه العلماء إذا وقع في موضعه المناسب، لما فيه من جمال التعبير وجلال الأداء، وإصابة الغرض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: -إن تلا الآية عند الحكم الذي أنزلت له أو ما يناسبه من الأحكام فحسن. ومن هذا الباب ما بينه الفقهاء من الأحكام الثابتة بالقياس، وما يتكلم فيه المشايخ والوعاظ، فلو دعي الرجل إلى معصية قد تاب منها فقال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) -الأعراف:98- وكذا لو قال - عند همه وحزنه -: (إنما أشكو بثى وحزني إلى الله) -يوسف:68- ونحو ذلك كان حسناً-.